مقالات
مداولات في سوق “الطّرْش”..

خاص “المدارنت”..
تشهد سوق الماشية حركة ناشطة؛ فالموسم موسم انتخابات وحركة البيع والشراء تسجل تصاعدا” ملحوظا”. النقود جاهزة. المشترون متحمسون. وأصحاب القطعان مستعدون للمساومة. والتسعيرة المتداولة مئة دولار. ولا شك في ان للبائع حصته التي تفوق ذلك المبلغ بكثير، وهي رهن بعدد الرؤوس التي يسوِّق لها.
ولكن تسعيرة الرأس المعروض في ذلك السوق تخضع لقانون العرض والطلب؛ فإذا كانت الحاجة ملحّة وحسابات النتائج تسجل وضعًا حرجًا، فالشاري ينفق بسخاء يلامس الخيال. وفي حال كهذه قد يرتفع السعر الى الألف، “وهنيئًا لك حينها ايها “الرأس” السعيد. إنّ أعلافك ستكون مؤمنة ولن تشكو الحرمان الى أمد بعيد.
وقد يتخذ الشراء وجوها اخرى. قد يكون بتأمين حصة خاصة لذلك الرأس في المراعي العامة او الخاصة، فتتوفر أعلافه ليعيش وأسرته سعيدا” رغيدًا. وقد بكون بادّعاء توفير الحماية له من ذئاب الخارج وضباعه ودواعشه.
وقد يشترون الرأس ببضع آيات محكمات من كتاب الله، ينفقونها لجرّ ذلك الرأس بقياد التكليف الشرعي الى حظيرة الطاعة خدمةً لذلك الشاري وتلبية لمصالحه.
وقد يكون لذلك الشراء وجوه اخرى. قد يشترون باسم الطائفة او المذهب او التنظيم. تتعدد الطرق ورأس “الطرش” واحد.
في سوق “الطرش” هذه يتنافس المتنافسون. الرؤوس المعروضة برسم البيع تنتظر الثمن، وبعض الشارين يمتلك المال والعبقرية معًا. بالمال أو بغيره يشتري، وبالعبقرية يضمن المردود.
قد لا يكون “الرأس” مضمونًا والخوف ان يذهب الى حظيرة أخرى. عندها يكون الدفع مشروطا بتسليم الهويّة؛ فإذا سلّم الحمل هويّته، ضمن الشاري ألّا بنتفع منه الآخر على حسابه؛ فيكون المال هنا وسيلة لدفع الضرر عن الذات وإلحاقه بالمضارب الآخر.
هكذا تمضي مواسم الانتخابات في سوق الماشية عندنا. خرفان تباع، ومتموّلون يدفعون ويشترون؛ فمتى تدرك تلك الخرفان البائسة أنّ من يشتريها اليوم سيبيعها غدا وبأبخس ثمن، وأن ما دفعه سيسترد أضعافه على حساب حقها وكرامتها.
ايها “الوديع” البائس، إنّ لكرامتك عليك حقًا؛ فهل تصحو على ضرورة حفظها قبل فوات الأوان؟
ملاحظة: “الطرش” كناية عن الماشية من أغنام وماعز وغيرهما، ويسمّى الواحد منها بلغة أصحابها عندنا رأسا”.


