مرسي بين المظلومية و”الأسطرة”.. هل لدى الاخوان مشروع لاستنهاض مصر..؟ “3 ـ 3”

//المدارنت//… منذ الشهور الاولى، كشف أداء محمد مرسي الرئاسي خطايا فادحة ونوايا سلبية أفدح, يدلّ دلالة قاطعة على عدم كفاءة واضح وفاضح للرئيس المنتخب, وهو ما أكده الاعلامي الاخواني البارز أحمد منصور، في تقييمه النهائي لتجربته في الحكم, ولام الجماعة على ترشيحه أصلا .
وهناك مثل ثان بنفس مستوى وأهمية المثل السابق بخصوص إيران، يفضي الى النتيجة السلبية البائسة ذاتها, هو موقف مرسي والجماعة من اتفاقية كامب ديفيد والتعامل مع العدو الاسرائيلي, لا سيما أن الذين يسعون الآن لأسطرة مرسي واختلاق مواقف له ما أنزل بها الله من سلطان، يتجاهلون سقطاته الفعلية على هذا الصعيد, ويفبركون له مواقف خارقة لا أساس لها أبدا.
إذ قال هؤلاء “المؤسطرون والمؤسطرات” ما معناه: إن مرسي أول رئيس واجه الكيان الصهيوني وفعل كذا, وفعل ذاك.. بينما الحقيقة أن مرسي والاخوان، لم يقولوا كلمة واحدة لا شفاهة ولا كتابة, قبل الوصول الى الرئاسة ولا أثناءها ولا بعدها, بل تجاهلوها على الرغم من أن حمدين صباحي تحدث عن الغاء كامب ديفيد في برنامجه. بينما الرئيس مرسي وجماعته لم ينبسوا بكلمة واحدة تزعج خاطر اسرائيل وأميركا عن مصير كامب ديفيد, بل إن المراقبين المصريين بمن فيهم اسلاميون من وزن فهمي هويدي، سجلوا على مرسي أنه أرسل الى الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز رسالة غرام وغزل مع سفير مصري جديد, لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلاقات بين الدولتين, واستعمل لغة غير مسبوقة, تكشف عواطفه ومواقفه تجاه العدو وتجاه الكامب ديفيد. وسنكتفي هنا بما كتبه فهمي هويدي عن تلك الرسالة الفاضحة, في مقال ينضح ألما وغضبا وخجلا عنوانه (عن السمّ الذي تجرعناه) جاء فيه:
“لا جدال فى أن خطاب اعتماد السفير المصرى لدى إسرائيل يُعد فضيحة للبيروقراطية المصرية. سببت إحراجا شديدا للرئيس محمد مرسى. مع ذلك فربما كان للحدث فضيلة وحيدة، هي أنه يستدعي إلى الواجهة ملف العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية بعد ثورة 25 يناير. إذ لم يخطر على بال أحد أن يخاطب أول رئيس منتخب لمصر بعد الثورة رئيس إسرائيل بعبارة: عزيزى وصديقى العظيم. وما تصوّر أحد أن يعبر الرئيس المصرى عن مشاعره بقوله إنه: شديد الرغبة فى إطراد علاقات المحبة التى تربط لحسن الحظ بلدينا.. إلى غير ذلك من مفردات وعبارات قاموس المرحلة، التى كان فيها الرئيس المصرى كنزا استراتيجيا لإسرائيل. وهى المرحلة التى أسقطتها ثورة الشعب المصرى، أملا منه فى أن يقيم نظاما جديدا، يردّ للمصريين كرامتهم ويعيد لبلدهم كبرياءه الجريح.
وعلى الرغم من أني واحد ممن يرون أنه ما كان لمصر أن تمثل بسفير فى تل أبيب، طالما استمرت الدولة العبرية فى سياساتها التوسعية, وفى احتلالها للأراضي العربية, ورفضها لحقوق الشعب الفلسطينى، إلا أنني لم أتوقع أن تقطع مصر العلاقات مع إسرائيل وتلغي كامب ديفيد، وتدخل بسببها حربا ضدها. مع ذلك فقد تصورت أنه من الطبيعى أن تتحدث مصر بعد الثورة، بلغة تتّسم بقدر من الاحتشام والحذر، تختلف فى حدها الأدنى عن لغة النظام السابق. لغة ترى أن إسرائيل ليست صديقا ولا حليفا، ولكنها بلد غاصب ومعتد، ورث النظام الجديد علاقة معه، فتورط فيها, واضطر لأن يتعامل معها حتى إشعار آخر، باعتبار ذلك من قبيل السُّم، الذى يضطر المرء إلى تجرّعه فى بعض الظروف الاستثنائية. ولذلك فإن موقف مصر الحقيقى بعد الثورة هو الصبر عليها وليس الموافقة عليها” .
الكاتب السياسي والصحافي اللبناني المعروف حسن صبرا، يرى من موقع خبرته الكبيرة بالشؤون المصرية، أن “أداء مرسي المتعثر، لا يعكس بؤس تجربته السياسية وأهليته لشغل المنصب وحسب, وإنما يعكس بؤس مشروع الأخوان السياسي, فهم بلا مشروع لحل مشكلات مصر وأزماتها الكأداء أصلا, فهم بلا رؤية استراتيجية لإنهاض بلادهم على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وشعارهم الشهير (الاسلام هو الحل) شعار دعائي أجوف لاجتذاب الجماهير, ولكنه بلا محتوى, وقد افتضح خواؤهم بعد وصولهم للسلطة وبسرعة لافتة للانتباه” ويضيف صبرا: “مشروع الاخوان الوحيد هو الوصول الى السلطة واشباع جوعهم التاريخي لها, وحسب”!
كان من الطبيعي أن تتحرك القوى المعارضة ضد هذه السياسات الخطرة، وتعبىء الشارع مرة ثانية, وأن تستغل أجهزة (الدولة العميقة) هذا التحرك لوقف السياسات الخطيرة في الداخل والخارج, وبدأ العد التنازلي لاخراج الاخوان ومرسي من السلطة، قبل أن يتمكنوا من أخونة الدولة .
وعندما حلّ 30 يونيو 2013 نزلت الجماهير الى الشارع هادرة بصوت واحد: (ارحل)، مكررة نداءها الى حسني مبارك. قدرت بعض المحطات الاعلامية عدد المتظاهرين في ذلك اليوم بثلاثين مليونا في عموم مصر, واما المحطات المتعاطفة مع مرسي كقناة الجزيرة فخفضت عددهم الى اربعة فقط, وبعضها قالت عشرة ملايين, وبعضها رفعته الى خمسة عشر مليونا, ولكن العدد حسب مراقبين عرب واجانب مقيمين في مصر، كان بالملايين حتما، ولا يقل عن 14 مليونا. ومن المؤكد تماما أن هؤلاء لم يجبرهم أحد على النزول الى الشارع، بل نزلوا من تلقاء أنفسهم متأثرين بشعارات ودوافع ثورة 25 يناير 2011، وخوفا من عودة الاستبداد بعمامة اسلامية. واستغل العسكر الجو الشعبي الضاغط, ونفذوا مؤامرتهم لعزل مرسي في الذكرى السنوية الأولى من حكمه.
لا شك أن الذين رأوا في انقلاب العسكر عودة لنظام حسني مبارك محقون تماما, لأن الانقلاب أعاد انتاج النظام الاستبدادي الفاسد بسرعة, ولأن العسكر لا يريدون ديموقراطية حقيقية في مصر, ولا في المنطقة العربية, إذ ساندت أنظمتها الرجعية (الثورة المضادة).
وللأسف، فقد شكلت الجماعات الحزبية والتيارات الليبرالية واليسارية والقومية، تحالفا للتخلص من حكم الأخوان, وهو أمر عكس في حينه قلقا مشروعا من سيطرة الاخوان على الدولة، والعودة الى نظام الاستبداد, إلا أن هذا التطور تماهى مع مزاج شعبي عام, وإن توافق مع موقف الجيش, لأسباب كثيرة. ولكن كل ذلك لا يقلل من حقيقة أن الشعب المصري نزل الى الشارع بكثافة قياسية, مطالبا الرئيس محمد مرسي بالرحيل والتنحي عن السلطة.
ربما كان من الأفضل منح الاخوان دورة حكم كاملة, ترسيخا لقواعد اللعبة الديموقراطية, بيد أن هذا الرأي يصطدم بموقف غالبية الشعب، التي نزلت الشارع خوفا من خطر نجاح مرسي وجماعته في “أخونة الدولة”، الأمر الذي يجهض الديموقراطية, ويفرغ صناديق الانتخابات من محتواها ومعناها قبل أن تجري.. فلماذا الانتظار اربع سنوات؟!
كل هذه التحفظات والمؤاخذات وسواها، لا تبرر أبدا تجريم مرسي ومحاكمته كمجرم, بل كان يجب أن يعامل بطريقة سياسية, لا بطريقة جنائية مهينة, خصوصا وأن العسكر عامل مبارك بطريقة مختلفة تتسم بالرعاية والتساهل, بل والحفاوة أحيانا, مما مكنه من البقاء حيا، والخروج من السجن مع أولاده وأركان حكمه, بينما مات مرسي متأثرا من سوء المعاملة وقسوتها، وتلفيق التهم الجرمية التي لا يقبلها منطق ولا عقل، إذ كيف يتخابر رئيس دولة كبيرة كمصر مع استخبارات دولة صغيرة كقطر؟1 ولماذا؟! وكيف يتخابر مع منظمة صغيرة كحماس؟! لا شك أن في هذه الاتهامات ما يستعصي على الفهم, وفيها ما يستخف بعقول الناس.
رحم الله محمد مرسي, فأمره متروك الى الله, والموقف السياسي من رئاسته متروك لشعبه, فهم من انتخبه, وهم من أسقطوه أولاً.



