مقالات

مسارات شيطانية!

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”..
إستنادا إلى تسلسل الأحداث وترابطها وتراكمها في العقود الأخيرة؛ يتضح أن  كل ما يجري في بلاد المشرق العربي يبدو وكأنه يسير وفق ما خططته المراجع الدولية ولا سيما وفق الخطة (المشروع) الأميركي لتفتيت بلادنا وتفكيك بناها المجتمعية وتفعيس روابطها الوطنية والقومية – وحتى الإنسانية – وصولا إلى دويلات متناحرة هزيلة متنكرة لهويتها التاريخية الحضارية؛ وإنقسامات مذهبية وعرقية لا تستطيع البقاء إلا بالحماية الأجنبية المباشرة لها..وفق تحالف ما يُسمّى “الأقليات” وقائدته العملانية  – إشرافا ومتابعة وتصويبا – دولة الكيان الصهيوني التي باتت تدير شؤون المنطقة ببراعة وتفوق وسط تهافت  رسمي مفتوح ومتسلسل متتابع ..في حين أن الوطنيين أبناء ونشطاء وفعاليات الحركة الشعبية لا يزالون مغيبين بفعل تشرذمهم وتفرقهم؛  أو أنهم إستسهلوا البكاء على الأطلال والنواح على الماضي الجميل أو التذمر من الراهن الأليم ؛ دونما مواجهة علمية موضوعية معه؛ فغيبوا أنفسهم وإستسلموا لنهج الإنتظار.. إنتظار الزمن أو إنتظار المجهول.. أو إنتظار فرج قد يأتي على أيدي قوى دولية كبرى ظنا منهم أنه قد يلبي بعض طموحاتهم في التغيير.. إنتظار سلبي لا يدرك أن تغييرا برعاية أجنبية لن يكون لمصلحة الشعب أو الأرض أو الوطن..
والذين قدموا التضحيات الجسيمة ودفعوا أثمانا باهظة ولم تتحقق أمانيهم، يحتاجون إلى مراجعة أساليبهم وأدواتهم لتفعيل دورهم وإستثمأر تضحياتهم قبل أن يستثمرها أعداؤهم..
أما أؤلئك الذين كانوا يوما ينتمون إلى القوى الشعبية ثم إلتحقوا – لسبب من الأسباب –  بإحدى حلقات النفوذ الأجنبي أو أدواته المحلية؛ ما كان إقليميا أو غربيا أو دوليا؛ فقد أصبحوا عائقا إضافيا على طريق الخلاص الوطني الذي يستوجب فيما يستوجب، تمتين وتعميق وتأصيل الفعالية الشعبية، وتحويلها إلى قوة فاعلة تستطيع التأثير في مجريات الأحداث وصناعة وعي متجدد ومناعة ذاتية متماسكة.. هؤلاء يسهمون في بلبلة الرأي والوعي العام  وتشويه الفهم الحقيقي للأحداث؛ فباتوا يروّجون لمقولات وتحليلات وتشخيصات القوى الإقليمية والدولية لما يجري في بلادنا وهو ما يسهم في تسهيلها وتمريرها بما يخدم مشاريع القوى الأجنبية للسيطرة والتحكم والإستملاك.
بين هؤلاء من ينسب نفسه شكلا لقومية عربية من غير مضمون؛  ومن يتحدث بإسم الإسلام ومنهم اليساري وكثير ممن يسمون “ناصريين”..
إن كنت تنتمي يوما إلى الحركة الشعبية أو أسهمت في نضالاتها سابقا؛ فهذا لا يمنحك لقب المناضل الوطني على مدار الزمن, فقد تأخذك المتغيرات أو الإغراءات أو الإحتياجات أو الضرورات إلى مواقع تفقد فيها إرادتك الحرة وإستقلاليتك الحركية؛ فتكون قد غادرت مواقع الحركة الشعبية والتحقت بمن أصبح يملك زمام تفكيرك ورؤيتك، وبالتالي يملي عليك مواقفك وحركتك..
إن كنت تظن أن براعتك في تلفيق المواقف وكبكبة التحليلات والرؤى، تنجح في إخفاء حقيقة إرتهانك وتبعيتك وتخليك عن مواقعك الشعبية؛ فأنت لا شك مخطىء.. فالحدس الشعبي لا يمكن التحايل عليه طويلا.. ولا يستطيع أحد مخادعة الحقيقة أو إخفاءها طول الوقت..
ولعل ما بات واضحا أن كثيرا من أؤلئك المغادرين مواقعهم الشعبية؛ قد رهنوا أنفسهم لجهات مشبوهة أو دخيلة أو معادية؛ بسبب حاجتهم إلى التمويل، فباتوا أسرى رؤاها ومواقفها فرأحوا يتفننون في إختراع حجج التفسير والتحليل والتبربر، لإخفاء إرتباطاتهم الحقيقية وإظهار تبعيتهم وكأنها ناتج قناعاتهم فيما هي ليست كذلك..
الحلال بيّن والحرام بيّن.. الحق بيّن والحقائق باتت واضحة دامغة بيّنة.. إلا لمن كان مأمورا أو مخمورا أو مأجورأ..
أما الأسباب الأخرى فيما يلي الإرتهان  لمصادر التمويل؛ فإن إرتباطا بأجهزة من نوع آخر؛ بالإكراه أو الإبتزاز ثم الخضوع؛ يشكل دافعا إضافيا لتخلي البعض من غير الرسميين عن مواقعهم الشعبية، وإلتحاقهم بقوى السلطان والنفوذ، محلية أو دولية..
خطورة هؤلاء، أنهم يعطون مسوّغات لكثير من الأهداف الأجنبية المعادية حتى لكأنها تبدو وكأنها مطلب وطني، وينشرون الأوهام ويستجلبون قبولا شعبيا لمجريات خبيثة حاقدة، وهم يعلمون.. فباتوا يلعبون دور المنافقين الذي يناورون الحقائق ويقلبونها صوغا لما هو مفروض عليهم من مواقف وتفسيرات..
الوطني الحقيقي من لا يبيع حرية تفكيره وقراره لأيّ جهة مهما كانت الدوافع..
الناشط السياسي الوطني، يحتاج في كل يوم وكل موقف؛ ليثبت براءته من كل إرتهان ونزاهته عن كل إرتباط مصلحي وتمسكه بإرادته الحرة وتفكيره المستقل.. وإلا فلن يبقى منتسبًا للحركة الشعبية، ولن ينال ثقة شعبية تمكنه من الحديث نيابة عن شعب أو التعبير عن تطلعاته وأمأنية.. أو قيادة حركة نضالية تنفعه وتخدم تطلعاته ومصالحه..
ولا شك أن أدوار هؤلاء، تشكل أحد أسباب تغييب فعالية الحركات الشعبية، وضياع تضحياتها، بل وتمكن أعداء الشعب والوطن من إستثمار تلك التضحيات في غير مصلحة وفائدة الشعب، وإنما لخدمة المصالح والأهداف الأجنبية..
والأسماء كثيرة واضحة ومعروفة.. حتى بات تهافتها يبين الكثير من تفاهتها وإستزلامها..
وسط كل هذا التدهور والتفكك والضياع، ينام برنار لويس (الإنجليزي الصهيوني الذي يستجمع كل خبث وحقد بريطانيا العظمى إلى كل جبروت وعنجهية الغرب الحاقد على العرب جملة وتفصيلا)، مستريحا في قبره مطمئنا إلى نجاح رؤاه لبلادنا وكيفية تفكيكها والسيطرة عليها، وهي التي تحولت إلى خطط تنفيذية عملانية تغطي مساحات شاسعة من بلادنا ومجتمعاتنا وعلى أكثر من صعيد، أبعد من مجرد التأثير السياسي أو التأثير النفعي الإقتصادي، بل تتعداه إلى كل مناحي حياتنا الإجتماعية والأسرية، وحتى الشخصية.. لا تقف قوة عربية في وجهها أو التصدي لها.. فما العمل؟ وعلى من تقع مسؤوليات البدء والمبادرة والعمل الجدي؟ قبل أن تصبح بلادنا ووجودنا جميعا في مهبّ الرياح الهوجاء، وفي مرمى العصبيات الإنقسامية الطائفية والمذهبية والعرقية؟ وربما صحّ أن نقول: حتى لا تبقى بلادنا في مهبّ الرياح وعواصف التفتيت والتبعية والضياع.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى