مقالات
مصر بلا طوارئ*

“المدارنت”..
قرار الرئيس السيسى بإنهاء مد حالة الطوارئ خطوة مهمة، وقد يتبعها المزيد من الانفتاح السياسى، على نحو ما توحى به الطريقة الحماسية التى كتبت بها “تدوينة” الرئيس يوم 25 أكتوبر 2021، والتصريحات اللاحقة المأذون بها للمتحدث باسم الرئاسة المصرية، وفيها إشارة إلى خطوات أخرى مفصلة، تدخل غالبا فى نطاق تطبيق “استراتيجية حقوق الإنسان” المعلنة قبل أسابيع.
وقد تكون خطوة وقف الطوارئ أولية ، وقد كانت من مطالب مقالات مبكرة لكثيرين بينهم كاتب السطور ، بينها مقال بعنوان “أطلقوا سراح مصر” نشرته قبل سنوات، وكان تقديرى أن حالة الطوارئ لا تضمن أمنا بذاتها، خصوصا مع تغليظات وتشديدات طرأت على القوانين العادية، كما جرى فى تعديلات “قانون مكافحة الإرهاب” مثلا، فى حين يوحى فرض حالة الطوارئ بمعانى أخرى، تكاد تغلق المجال العام بكامله، فمع حالة الطوارئ يجرى العمل بقانون الطوارئ، وهو قانون استثنائى بطبعه، يتيح للرئيس أو من يفوضه صلاحيات حظر مطلقة، بدءا من حظر التجوال، إلى حظر الاجتماعات والتجمعات لأكثر من خمسة أشخاص ، وفرض الرقابة على الصحف والمنشورات بكافة الوسائط ، وحجب حريات الحركة والتنظيم ، والإحالات إلى محاكم خاصة تعرف باسم “أمن الدولة طوارئ” ، لا فرصة بالطعن على قراراتها أمام “محكمة النقض”، فوق ما كان يتيحه قانون الطوارئ بنصه الموروث من عام 1958، ومن قبله قانون الأحكام العرفية منذ 1914، وكلاهما كان يمنح السلطات حق اعتقال الأشخاص من دون إبداء الأسباب ، أو الالتزام بالعرض على النيابة المختصة ، قبل أن تقر المحكمة الدستورية عام 2013 ، عدم دستورية نص إباحة الاعتقالات بلا ضابط ولا رابط ، وقد ظلت حالة الطوارئ سارية فى مصر بلا انقطاع منذ حادث اغتيال الرئيس أنور السادات فى 6 أكتوبر 1981 ، وطوال ثلاثين سنة من حكم المخلوع حسنى مبارك ، الذى حل فيه نص الطوارئ محل مواد الدستور ، وإلى أن قرر المجلس العسكرى إلغاء حالة الطوارئ بعد ثورة 25 يناير 2011 ، ليعاد فرضها جزئيا بعد ثورة 30 يونيو 2013 ، وفى مناطق محددة من شمال شبه جزيرة سيناء ، وبالذات فيما كان يعرف بمثلث الخطر ، من “العريش” إلى “رفح” و”الشيخ زويد” ، ومع تزايد وطأة العمليات الإرهابية ، وامتدادها إلى مدن الدلتا المصرية ، جرى تعميم فرض حالة الطوارئ عام 2017 ، وتجديدها بانتظام كل ثلاثة شهور ، وكان يجرى تمديدها كل ثلاث سنوات أيام مبارك ، وخلال الأربع سنوات الفائتة ، لم يجر تقييد حق التنقل وفرض حظر التجوال ، إلا فى مناطق الحرب ضد الإرهاب بشرق سيناء ، ولمدد متفاوتة ، ارتبطت بوقائع ومعارك “حق الشهيد” و”العملية الشاملة” ، التى أسفرت فى النهاية عن اقتلاع شتلة الإرهاب الأساسية ، وتراجع عدد الإرهابيين المطاردين فى الجبال إلى حدود المئتين ، على حد تقدير أخير لوكالة أنباء “رويترز” ، مع التطور الطفرى فى أعمال تنمية سيناء وضمان الأمن فيها ، وهو ما قد يكون شجع الرئيس السيسى على إعلان قراره بإنهاء مد حالة الطوارئ ، وإشادته بما تحقق من أمن شامل ، صنعته تضحيات ودماء الشهداء ، وجعل مصر كما يقول “واحة أمان المنطقة” المضطربة .
وقد لا يعنى الأمان المقصود نهاية كلية مبرمة لخطر الإرهاب ، أو الاستبعاد التلقائى المحتوم لأى عمليات إرهاب واردة ، فقد تحدث اختراقات هنا أو هناك ، لكن منحنى الإرهاب تراجع بشدة ، وعلى نحو مطرد فى العامين الأخيرين بالذات ، مع انكفاء جماعة الإخوان على أحوالها الداخلية المنهكة المفككة ، ومع تطور صور من التعاون الأمنى بين السلطات المصرية والجماعات الفلسطينية فى غزة ، ومع تحطيم شبكة الأنفاق والتهريب عبر الحدود، ومع التكثيف المتصل لعمل الجيش فى اتجاهات الحدود الأربعة ، واكتساب إمكانيات وخبرات فريدة ، وإنهاء أوضاع نزع السلاح فى سيناء ، فقد كان من مزايا الحرب المعلنة ضد الإرهاب ، أن كسب الجيش المصرى حضوره مجددا فى كامل سيناء ، وعلى غير ما قضت به ملاحق أمنية لما تسمى “معاهدة السلام”، كانت قسمت سيناء إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج” ، وحرمت الجيش من وجود محسوس، إلا فى المنطقة (أ) شرق قناة السويس ، وجعلت غالب سيناء ، التى تساوى مساحتها نحو ستة أمثال مساحة لبنان، منزوعا من السلاح المصرى، ومن أسلحة الطيران والبحرية الحربية والقوات البرية ، وقد انتهى ذلك كله الآن ، وبسياسة وطنية “براجماتية” ، ربطت مواجهة الإرهاب بالتحرير الفعلى الكلى لسيناء ، وأعادت الجيش المصرى بكامل هيئته إلى خط الحدود المصرية الفلسطينية التاريخية ، ولأول مرة منذ ما قبل حرب 1967 ، وكان ذلك إنجازا موازيا مساويا ، إن لم يزد فى أهميته الوطنية ، على مهمة اقتلاع شتلة جماعات الإرهاب ، التى تمددت وتمطت لعقود طويلة ثقيلة ، فى فراغ تركه غياب الجيش المصرى ، ولم يكن ممكنا الشروع فى خطط كبرى لتنمية سيناء ، وبتكلفة مئات مليارات الجنيهات ، إلا أن يكون الجيش حارسا لأحلام تنمية تعثرت عقودا بعد المعاهدة إياها ، وظلت حبرا باهتا فوق الورق.
وفوق ما يجرى فى سيناء الفارغة نسبيا من السكان، ويحتاج تعميرها وتحصينها، إلى سكنى ستة ملايين مصرى فيها ، بعد أن جعلتها أنفاق قناة السويس العملاقة ، تغادر معناها الحدودى القديم النائى ، وتغدو كأنها صارت فى قلب دلتا النيل ، وهو ما قد يلفت النظر إلى معنى الإنجازات العمرانية الهائلة ، التى توالت بكثافة فى السنوات الأخيرة ، خصوصا فى مجالات المدن الجديدة وشبكات الطرق وخطوط الطاقة، واكتشافات الغاز الطبيعى والبترول وغيرها ، وكلها إنجازات لا تنكر لإدارة الرئيس السيسى، تخلق بذاتها تحديات ومصاعب مضافة ، نكرر الإشارة إليها فى كل ما نكتب ونقول ، إذا أردنا للتجربة المصرية ، أن تكون مثالا هاديا لعالم عربى غارق بأغلبه فى الظلام والحيرة والتخبط ، فليس أفضل ولا أحق من مصر فى شق طريق لخلاص ، والظواهر العربية الكبرى تتكون أولا فى مصر، ثم تسرى بحساب الأوانى المستطرقة مشرقا ومغربا ، ولا أحد عاقل بوسعه إنكار حقائق ومآزق فى طريق مصر الراهنة ، لعل أخطرها فيما نظن ، ذلك التناقض المتفاقم بين ما يجرى من إنجاز ، وما تتضمنه الاختيارات الحاكمة من انحياز فى الاتجاه المعاكس ، انحياز يجرى غالبا لغير صالح الفقراء والطبقات الوسطى ، وهم أغلبية مصر العظمى ، هم التسعون مليونا بين المئة مليون وتزيد ، وهو ما يولد احتقانا اجتماعيا متزايدا ، وانفصالا محسوسا بين “مصر الكومباوندات” و”مصر الحارات”، لا تكفى لتوقيه وردم فجواته سياسات الصدقات وحملات التبرعات وبرامج التكافل والحماية والأعمال الخيرية، وهو ما قد يعنى أنه لا بد من تصحيح جوهرى فيما يجرى بالجملة، وعبر اتجاهات خمسة متداخلة متزامنة فى التطبيق الممكن.
أولها: استكمال ما تحقق فى سيرة استعادة استقلال القرار الوطنى.
ثانيها: إدراك الأولوية القصوى للتصنيع الشامل للبلد بعد عقود من التفكيك والخراب ، وخلق إقتصاد إنتاج عفى يحل محل الواردات ويضاعف الصادرات.
ثالثها : رد الاعتبار لمبادئ وحقوق العدالة الاجتماعية ، وردم فجوة تفاوت الثروات المرعب ، واتباع نظام عادل للضرائب التصاعدية.
رابعها: كنس امبراطوريات النهب الموروث المتحكم وتطهير جهاز الدولة الفاسد.
خامسها: فتح المجال العام وإطلاق الحريات العامة، وتفكيك الاحتقان السياسى، وإنهاء قيود الرقابة على حريات الصحافة والإعلام عموما، وكلها قيود تنتسب بطبيعتها إلى زمن “أهل الكهف”، فلم يعد مستساغا ولا لائقا ولا هو ممكن، ما يتصوره البعض من جدوى لإغلاق النوافذ، فى زمن تطورت فيه وسائل الاتصال على نحو صاروخي، وساد إعلام المواطن الفرد، وتكميم حريات التعبير والتفكير اليوم لا يؤذى غير صاحبه، وقد يكون إنهاء مد الطوارئ فرصة لمراجعة، تنتهى معها صور الرقابة على الصحف والتليفزيونات والمواقع الإلكترونية، وأن يحتكم إلى القانون العادى، الذى صار يحظر حبس الصحافيين إلا فى جرائم انتهاك الأعراض والفتن والتمييز ، وحريات التعبير متصلة تلقائيا بحريات الحركة والتنظيم للأحزاب والهيئات، مع تصفية مظالم لحقت بالكثيرين، ووضع خطوط حمراء فاصلة بين السياسة والإرهاب، وفى الإرهاب لا تهاون ولا تراجع عن مواجهته، أما فى السياسة، فلا بديل عن تصرف واجب، يدعو الرئيس السيسى لاستخدام صلاحياته الدستورية، وإصدار قانون عفو عام عن كل المتهمين أو المدانين فى قضايا سياسة لا إرهاب فيها، ووقف التمديد المضاعف لفترات الحبس الاحتياطى، وهو ما يحتاج إلى شجاعة قرار، يكمل بها الرئيس شجاعة مبادرته بإنهاء مد حالة الطوارئ، وإنا معكم لمنتظرون.
* المصدر “القدس العربي”


