مقالات

معركتي الشخصية مع وعي الخوف الذاتي..

د.محمد الحسامي/ اليمن
“المدارنت”..
رسالة إلى فيودور دوستويفسكي بعد التحية والتقدير والإحترام لك، ولكل أعمالك العظيمة أيها الروائي والقاص والكاتب والصحافي والفيلسوف الروسي الكبير/ فيودور دوستويفسكي، أسمح لنفسي أن أوجه إليك رسالتي الشخصية المتواضعة هذه، والتي لا يمكن لها بأن ترقى وترتقي إلى مستوى قطرة في ومن بحر أعمالكم العظيمة والخالدة على مر الزمان والعصور والمتخطية للمكان..
أيها الروائي والفيلسوف العظيم، لقد قرأت عبارة بليغة من محيط أعمالكم العظيمة، والتي تعتبر قصيرة في كلماتها وجملها..لكنها عميقة في مغزاها ومدلولاتها، والتي كان لها الأثر الكبير على نفسيتي وذاتي الشخصية.. ذلك، ولأنه، وبرغم مرور عقود من الزمن، على عبارتك تلك، وبرغم التطور الذي حصل وما يزال يحصل في عالمنا الحاضر الآن، وبرغم شيوع الحريات العامة والخاصة في الكثير من المجتمعات والشعوب والأمم الآن،.. فإن ما نعانيه نحن في هذه المنطة من هذا العام كمجتمعات عربية في أمتنا..مازال كما كنت أنت تعاني منه بل وأكثر منه بكثير..إلخ. تلك العبارة التي تقول فيها: (أنا أنطق بما لا تجرؤ أنت التفكير فيه )فوجدت نفسي، وبدون تردد، وبتلقائية وعفوية تامة.
أخط إليك رسالتي الشخصية المتواضعة هذه قائلا: الله الله عليك أيها الشجاع الجريء، فإنني شخصيا وأمام وإزاء جرائتك تلك أجد نفسي جبانا كل الجبن، ليس نطقا من ومما أخاف..بل حتى مجرد التفكيرا به،. فلو كنت أنا شخصيا أملك وأمتلك الشجاعة والجراءة، ولو بالشيء اليسير منهما ومما ملكته وإمتلكته أنت..لقلت ما في نفسي.! ليس خوفا عليها.. بل خوفا منها.. حيث أنني شخصيا أخاف كل الخوف من أن أقول أشياء كثيرة وكثيرة كامنة في خاطري وعقلي ومخيلتي, فما بالك بأن أقوم بنطقها حتى بيني وبين نفسي، فما بالي بأن أقوم بكتابتها وبنشرها أو حتى الحديث عنها وحولها.. بل إن الخوف كل الخوف يصيبني ويعتريني حين أحاول ولو مجرد محاولة عابرة ولحظية في التفكير ببعض تلك الأشياء, وينتابني الهلع الشديد والرعب الشديد حين أحاول ذلك… ذلك الخوف والهلع والرعب أيها الشجاع الجريء،وبرغم وعي الخوف المتجذر فينا عموما، نتيجة سطوة وجبروت واستبداد واستعباد وطغيان الأنظمة الاستبدادية المتحكمة فينا والحاكمة لنا وعبر قرون طويلة، ليس خوفا وهلعا ورعبا من أحد, وليس خوفا وهلعا ورعبا مما قد أعتقد بأنه سوف يصيبني في حال قمت بذلك..وبتلك, أو الحديث عن تلك..
وتلك جراء ردة الفعل من الآخرين تجاهي, إنما ذلك الخوف والهلع والرعب من نفسي.. على نفسي.., ومن ذاتي..على ذاتي..,ومن وعي..على وعي.. مصدره ومنبعه موروث مخيف ومرعب من القدسيات والقداسات الزائفة ومن المحرمات الكثيرة, ومن الصنميات العديدة والمتعددة, سواء تلك الدينية منها أو تلك الغير دينية منها… تلك جميعها التي شكلت وعي وتشكل وفقا لها وعلى أساسها وفي إطارها وتحت رعايتها وكنفها… تلك الأشياء…التي تجذرت في وعي وتحكمت فيه وسيطرة عليه وسيرته,بحيث أصبح وصار نتيجة لذلك كله ولتلك كلها وعيا مقدسا وتقديسيا, فبمجرد محاولاتي البسيطة ولو على مستوى الفكرة والخاطرة في سبيل التخلص والخلاص والتحرر ولو من جزء بسيط منه, والتشكيك والتشكك فيه, ونزع صفة القدسية والقداسة والصنمية عنه, والتحرر منه, ينتابني ويصيبني ويعتريني ذلك الخوف وذلك الهلع وذلك الرعب, فأجدني عندما يعتريني ذلك..وتلك..التفت واتلفت يمينا ويساريا والخوف والهلع والرعب ينتابني عل من هم حولي قد عرفوا وخمنوا ما يجول في خاطري, وأجد نفسي متمتما بيني وبينها بالقول ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.!
لا تظن أيها الشجاع الجريء.. بأنني إنسانا شجاعا وجرئيا بما فيه الكفاية كما يعتقد الكثيرون ذلك( طبعا كما أظن أنا ولو أن بعض الظن إثم), والشكر الجزيل لهم جميعا على ذلك,.. فأنا أجبن من الجبن ذاته فوعي الخوف الذاتي، هو الذي يتحكم بي ويسيطر علي ويسيرني, فكل محاولاتي في سبيل الخروج من ذلك حتى الآن باءت بالفشل الذريع… أيها الشجاع الجريء.. إن معركتي الشخصية الحقيقية هي تلك المعركة مع ذاتي وذاتيتي أولا، مع وعيها المتخلف، وثقافتها السلبية، وعقليتها المتحجرة، وأفكارها العفنة، وصنميتها المقيتة، ومفاهيمها المقلوبة والخاطئة والمغلوطة، مع تلك الصورة النمطية السلبية المتجذرة فيها والمتحكمة بها والمسيطرة عليها والمسيرة لها، ومع تلك المقدسات والقدسيات الزائفة المؤمنة بها..إلخ. فتلك المعركة ليست هينة وبسيطة وسهلة، يسهل الانتصار فيها على تلك الذات وتلك الذاتية..، إنما هي معركة صعبة ومركبة وتحتاج إلى وقت طويل وطويل وطويل..إلخ. حيث أن ذلك الانتصار لن يكون ويحصل ويتم ويكفل له النجاح إلا إذا كان الإيمان الحتمي بالانتصار فيها هو الجوهر والأكسير لها…إلخ. إنها خواطر اللاشعور كسر من أسرار نجاح الشخصية الذاتية في سبيل الانتصار في أية معركة من المعارك التي تخوضها..إلخ. وسيلتي الوحيدة في هذه المعركة الشخصية، معركتي مع ذاتي، وإزاء كل من وما يحيط بي، وضد وعي الخوف الذاتي أولا وفي الأساس ولو بالقدر اليسير والبسيط والمتناهي الأثر والتأثير،..هي الكتابة فقط وفقط ولا غير سواها.. حيث أن للكتابة فوائد عديدة وجمة ليس للكاتب فقط، وإنما للآخرين أيضا.
فلا يقتصر تأثيرها على نشر الأفكار والمفاهيم والعلوم وتدوين التاريخ والذكريات ورسم معالم التاريخ الإنساني والشرائع السماوية, وو… إلخ، وإنما يتعدى ذلك التأثير,، وهذا هو الاهم,، لتشكل علاجا نفسيا للكاتب نفسه,، وبخاصة إذا كان يعيش في ظل أوضاع صعبة هو ومجتمعه..، فهي وطن من لا وطن له، وإنسانية من لا إنسانية له، ووجود من لا وجود له، والرئة التي بها وبواستطها يتنفس..إلخ.
أيها الشجاع الجريء… إن هدفي المقصود في كل ما أقوم بكتابته ونشره هو محاولة بسيطة ومتواضعة لكي اتخلص واتحرر من وعي الخوف الذاتي الكامن في ذاتي، والذي يعتبر جزءا من وعي التخلف المقدس ووعي الجهل المقدس ووعي الظلامية المقدسة المتحكمون بذاتي وذاتيتي والمسيطرون على فكري وعقليتي وثقافتي..حتى استطيع بأن أكون إنسانا شجاعا وجرئيا، حرا ومتحررا، ومن ثم لكي أكون وأصبح وأصير “إنسانا إنسانيا”… إلخ. آكتب لنفسي ولذاتي ولذاتيتي..وليس لأي كائن آخر… أفعل ما اقدر عليه في سبيل ذلك ليس جلدا لذاتي وذاتيتي..بل نقدا إيجابيا لها فنقد الذات-لا جلدها-نقدا إيجابيا من قبل أي شخص هو الطريق الصحيح والسليم لإعادة ثقته بنفسه أولا وبمجتمعه ثانيا, وإعادة ثقة مجتمعه به…إلخ إذ أن هناك فرقا كبيرا، بين عملية القيام بنقد الذات والذاتية.. وبين عملية القيام بجلد الذات والذاتية…
فأنا شخصيا أرى بأن ما أقوم به وأفعله، كتابة ونشرا، ليس جلدا لذاتي وذاتيتي…، كما قد يرى البعض!!، بل إن ما أقوم به وأفعله..أعتبره نقدا إيجابيا بناء لذاتي وذاتيتي…، طبعا قد أكون محقا في ذلك أو غير محقا وبنسب متفاوتة لكني أرى ذلك ومقتنع برأي.. صحيح بأنه قد يرى البعض، وهذا من حقهم ووجهة نظرهم ونحترمهم ونجلهم، أن ما أقوم به وأفعله فيه شيء من الحدة وحتى الكثير من الصراحة والجرأة والشجاعة، لكنني أقول : إنني شخصيا أجبن من أن أعبر وأقول كل ما يخطر ببالي وما أفكر به..ليس من أحد… إلخ، بل من ذاتي ونفسي، إذ أن وعي الخوف المتجذر في وعيي مازال يمنعني من ذلك..إلخ.. فالذات والذاتية الفردية الإنسانية لا يمكن إيجادها وبنائها إلا من خلال الذات والذاتية الجمعية المجتمعية للوطن وللإمة..
لكن، وفي مقدمة ذلك، لا يمكن إيجاد وبناء الذات والذاتية المجتمعية..إلا بإيجاد وبناء الذات والذاتية الفردية، بناء إنسانيا حقيقيا، فهي المقدمة الأولى والركبزة الأساسية والرئيسية لإيجاد وبناء الذات والذاتية المجتمعية…إلخ. أيها الشجاع الجريء… إنني شخصيا أفعل ذلك وأقوم به مسترشدا،في الأساس وفي المقدمة، بقوله تعالى في كتابه الكريم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) صدق الله العظيم، وبما قاله الفيلسوف العظيم سقراط في صرخته الشهيرة: “أيها الإنسان.. إعرف نفسك بنفسك”، وبما قاله ويليام جيمس: بأن” الفكرة الصادقة هي التي تؤدي بنا إلى النجاح في الحياة”، وبـ” إن الإنسان يجب أن يشاهد صحة رأيه أو خطأه في تجربته العملية، فإن جاءت هذه العملية التجريبية موافقة للفكرة كانت الفكرة الصحيحة وإلا فهي باطلة”.
.. “وبما قاله أيضا جون بول سارتر: بأن “الإنسان مشروع وجود يحيا ذاتيا ولا يكون إلا بحسب ما ينويه، وما يشرع بفعله وبهذا الفعل الحرّ الذي يختار به ذاته، يخلق ماهيته بنفسه” في الأخيرـ أيها الشجاع الجريء.. – لا أستطيع إلا أن أدعو بهذا الدعاء: اللهم إعطني الشجاعة الذاتية الحقيقية والكافية لمواجهة وعي الخوف الذاتي والتخلص والخلاص والتحرر منه بقدسيته وقداسته..!!, وبصنميته وعبوديته..! واجعلني اللهم إنسانا حرا ومتحررا ومتخلصا من كل تلك القداسات والقداسات الزائفة, ومن كل تلك الصنميات والعبوديات, وكافرا بها, وذلك كما خلقتني وأمرتني وارتضيت لي بأن أكون كما أردت أنت لا كما أراد الآخرون لي.., لا أقدس إلا إياك, ولا أعبد إلا إياك, ولا أخاف إلا إياك ومنك.. أو كما دعاء الزعيم الراحل /جمال عبدالناصر -رحمة الله عليه والفردوسالأعلىمأواه-: “اللهم أعطنا القوة، لندرك أن الخائفين لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة، والمترددين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء.” لا لأنفسهم أولا ولا للآخرين ثانيا إنك على كل شيء قدير آمين اللهم آمين.. الخائف من الخوف ذاته.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى