مـتـى نـعــي ونـفـهــم ونـسـتـــوعـــب؟!.. الجزء (2-2)
خاص “المدارنت”..
… على أن الأمر الذي أودُّ أن أُؤكِّده، في هذه الدراسة، بوضوح قاطع، هو أنه لم يحدث حتى الآن ما يدعو أمريكا إلى تغيير هذه الاستراتيجية الأساسية. فهناك كثيرون، في وطننا العربي، على استعداد للاعتراف بأن الخط السياسي العام لأمريكا كان يسير في هذا الاتجاه، ولكنهم يعتقدون أن هذا الخط قد تغيَّر في السنوات الأخيرة. وسبب هذا التغير، في رأي هؤلاء، هو تبنّي بعض الدول العربية خطًّا معتدلًا، مما جعل أمريكا تشعر لأول مرة بإمكان حفظ مصالحها في المنطقة العربية عن طريق العرب أنفسهم، دون الحاجة إلى الاستعانة بـ”إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة) وحدها، أو بـ”إسرائيل” قبل غيرها.
وفي رأيي أن هذا الاتجاه مخطئ في أساسه، وأن الخط العام للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، الذي يتخذ من “إسرائيل” الركيزة الكبرى لهذه السياسة، ما يزال قائمًا، بالرغم من مظاهر هذا التغير السطحية التي يفسرها البعض خطأ بأنها تحوُّل جوهري.
أما الأسباب التي أستنِد إليها في هذا الرأي الذي أدافع عنه فهي:
أولًا: إن “إسرائيل” تنتمي حضاريًّا إلى الغرب؛ فهي قطعة من حضارة الغرب أُقحِمت بالقوة على أرض عربية. وكل باحث في الحضارة الغربية يجعل من «العبرانية/ المسيحية» أو من عقيدة «العهد القديم والعهد الجديد»، أصلًا أساسيًّا من أصول هذه الحضارة. وعلى الرغم من كل التقلُّبات التي مرَّت بها علاقة الأقليات اليهودية بالمجتمعات الغربية التي تعيش بينها، فإن رواد الصهيونية، وأهم الوافدين إلى إسرائيل، وأبرز زعماء الدولة الجديدة، كانوا ينتمون في صميمهم إلى الحضارة الغربية، وكانوا غرباء، عقليًّا ونفسيًّا وثقافيًّا، عن المنطقة التي أصبحوا يعيشون فيها.
ثانيًا: إن النظام الذي تُطبِّقه “إسرائيل” في بلادها يتَّفق أساسًا مع النظم الغربية؛ فـ”إسرائيل” دولة رأسمالية ذات أهداف توسُّعية، ومهما قيل من وجود تجارب ذات لون «اشتراكي» في الظاهر، كـ”الكيبوتز” وغيرها، أو عن المنظمات العمالية الضخمة، كـ”الهستدروت”، فإن هذه التنظيمات تدين أساسًا بالأيديولوجية الغربية الرأسمالية، وتُدافع عن مصالحها بكل قوة، وأحزاب الأغلبية فيها تسير وفقًا لبرامج تنظر إلى “إسرائيل” على أنها جزء لا يتجَّزأ من المعسكر الغربي الرأسمالي، بل على أنها عضو شديد التطرُّف في هذا المعسكر.
ثالثًا: إن “إسرائيل”، بنظامها الغربي الليبرالي، هي النظام الوحيد المستقر في المنطقة. وليس المقصود بالاستقرار هنا — كما يفهمه بعض العرب — أن تكون هناك حكومة واحدة تظل مُتربِّعة على كرسي الحكم وتُتقِن فن الإمساك بزمام البلاد والحيلولة دون وصول أي منافس إلى السلطة، بل إن المقصود به هو أن “إسرائيل”، شأنها شأن معظم الدول الغربية المتقدمة، قد اهتدت منذ وقت طويل إلى الصيغة التي تجعل انتقال الحكم من جماعة سياسية إلى أخرى يتم بطريقة سليمة منظمة من دون انقلابات أو إراقة دماء، أي أنها اهتدت إلى الصيغة التي عجزت جميع الدول العربية عن الاهتداء إليها حتى الآن، وهي أن يتغير الحاكم بهدوء عندما تتخلّى عنه الإرادة الشعبية، ويترك مكانه لغيره مغادرًا قصر الحكومة سائرًا على قدميه إلى بيته، لا محمولًا إلى قبره أو منقولًا في عربة سجن أو — إذا كان سعيد الحظ — مشحونًا على طائرة حربية تُقلُّه إلى خارج البلاد.
وهكذا فإن “إسرائيل” من وجهة نظر المصالح الأمريكية، هي وحدها المضمونة. ومن الواضح أنه لم يحدث، طوال الأعوام الثلاثين الماضية، أيّ شيء يدعو أمريكا إلى إعادة النظر في العوامل التي تدفعها إلى الاعتماد الكامل على “إسرائيل”.
ولكن، قد يتساءل البعض: ألم يحدث في السنوات الأخيرة بالذات، تغيير في اتجاه أمريكا إزاء هذه القضية؟
نعم، حدث نوع من التغيير، ولكنه تغيير تكتيكي فقط؛ ففي السنوات التي توالت منذ إنشاء دولة “إسرائيل”، كانت أمريكا تتَّخذ من “إسرائيل” حارسًا مُسلَّحًا لمصالحها، وكانت الحروب الدائمة التي تشنها “إسرائيل” على العرب هي الوسيلة التي تحقق لأمريكا أهدافها البعيدة والقريبة في المنطقة.
أما في السنوات القريبة فقد لاحت بوادر تكتيك آخر؛ فبدلًا من أن يضطر العرب إلى تخصيص مواردهم المتزايدة لمحاولة الحدّ من انتشار هذا السرطان المخيف في جسم الأرض العربية، وبدلًا من أن يهملوا مشكلاتهم المُلحَّة تحت تهديد السلاح الأمريكي المُقدَّم إلى “إسرائيل”، أصبحت السياسة الأمريكية تتجه الآن إلى دفع العرب إلى الدخول باختيارهم في معسكر أمريكي واحد، إلى جانب “إسرائيل”، وحلَّت أساليب الوعد والإغراء محل أساليب التهديد والتخويف، وظهرت بوادر تعطي أمريكا أملًا في أن يقبل العرب بالتدريج، وبمحض إرادتهم، ما لم يكونوا يقبلونه قبل ذلك إلا تحت تهديد السلاح.
التكتيك إذن هو الذي طرأ عليه التغيير، أما الاستراتيجية العامة فتظل على ما هي عليه؛ حماية المصالح الأمريكية عن طريق ركيزة أساسية هي “إسرائيل”، وكل من يقبل التعاون معها لتحقيق هذا الهدف.
•••
في ظل هذه الاستراتيجية تظل مصالح أمريكا مرتبطة ارتباطًا لا ينفصم بـ”إسرائيل”، أما الدول العربية فإن أمريكا تدرك جيدًا أن المصالح الحقيقية لشعوبها تتعارض معها، ومن ثَم فإنها لا تعتمد عليها إلا بقدر ما تسير حكوماتها على سياسة مغايرة لأماني شعوبها، وهو أمر تعلم أمريكا حق العلم أنه لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، ولذلك كان اعتمادها على أي نظام عربي أو تحالفها معه مؤقتًا بطبيعته مهما طال أمده، وكان دائمًا ثانوي الأهمية بالقياس إلى اعتماده على “إسرائيل”.
وعلى أساس التحليل السابق، يتَّضح لنا أن هناك خطأين أساسيّين في أسلوب تعامل العرب مع أمريكا، فيما يتعلق بالقضية “الإسرائيلية” (الصهيونية):
الخطأ الأول: هو استخدام السلاح الأمريكي، إذا كان الهدف الحقيقي من هذا السلاح هو أن نحارب به “إسرائيل”؛ ذلك لأن أمريكا هي المُورِّد الرئيسي لأسلحة “إسرائيل”. ولما كانت مصالحها متطابقة معها تطابقًا تامًّا، فمن العبث أن نتصوَّر أنها ستُقدم إلينا من السلاح ما يكفينا للوقوف في وجه المطامع الصهيونية؛ فكل قطعة سلاح تُعطَى للعرب، لا بدَّ أن تُعطَى أضعافها ل”إسرائيل”، فضلًا عن أن التسلُّح عن طريق أمريكا لا بدَّ أن يكشِف لـ”إسرائيل”، من خلال حليفتها الكبرى، عن مدى قوة العرب ومواطن ضعفهم أولًا بأوَّل، مما يتيح لها أن تجري حساباتها معهم على أدق الأسس الممكنة.
إن المنطق السليم وحده يكفي لإقناعنا بأن استيراد السلاح من أمريكا من أجل محاربة “إسرائيل”، عملية مناقضة لذاتها. ولعلَّ في موقف أمريكا من مصر، في مناسبتين مختلفتين، ما يُؤكِّد هذه الفكرة بكل وضوح:
(أ) ففي حرب أكتوبر 1973، عندما كان السلاح المصري غير أمريكي، حرصت أمريكا، بعد أسبوع الانتصارات الأولى، على أن تعوِّض “إسرائيل” عن خسائرها، وتضمن تفوقها في أكبر وأسرع عملية نقل سلاح عرفها التاريخ، وكانت حُجة (وزير الخارجية الأميركية في حينه هنري) كيسنجر، هي أنه لا يمكن أن يسمح للسلاح الروسي بإثبات تفوُّقه على السلاح الأمريكي، ولكن السبب الحقيقي هو أن أمريكا — وفقًا لاستراتيجيتها الأساسية — لا يمكن أن تسمح بتفوق حقيقي للعرب على “إسرائيل”، ولا بدَّ أن تجعل لـ”إسرائيل” اليد العليا في أية معركة مع العرب.
فإذا كان هذا تصرف أمريكا في معركة لم تكن فيها هي التي ورَّدت السلاح للعرب، فماذا يكون تصرفها لو كانت هي التي توزِّع بنفسها الأسلحة على الطرفين؟
(ب) وفي الآونة القريبة؛ لم توافق أمريكا على توريد أسلحة لمصر على نطاق واسع؛ إلا بعد معاهدة 26 مارس مع “إسرائيل”، أيّ أنها لم تقبل تقديم أسلحتها إلينا، إلا بعد أن ضمنت أن هذه الأسلحة ستستخدم لأغراض أخرى، غير محاربة “إسرائيل”.
ويبدو لي أن هذا المبدأ الأخير؛ هو الذي تفرضه أمريكا في حالة أي بلد عربي يطلب منها السلاح على نطاق واسع، بحيث لا توافق على هذا الطلب إلا بقدر ما تكون واثقة من أن لهذا السلاح أهدافًا أخرى غير “إسرائيل”.
أما الخطأ الثاني: فهو الاعتقاد بأننا نستطيع أن نفكِّك التحالف بين أمريكا و”إسرائيل”، أو نُضعِفه عن طريق إقناع أمريكا بأن مصالحها مع العرب أهم من مصالحها مع “إسرائيل”؛ فهذا النوع من التفكير يفترض عدة أشياء، كلها باطلة.
فهو يفترض أولًا أن العرب يمكنهم أن يخدموا المصالح الأمريكية، من دون أن يتهاونوا ويتخلوا عن أماني شعوبهم، أي أن من الممكن أن تتطابق مصالح العرب مع مصالح أمريكا، وهو أمر يدخل في باب المستحيلات. وهو يفترض ثانيًا أن أمريكا تقبل بأن تجد لنفسها حليفًا أو حارسًا لمصالحها غير “إسرائيل”، وهو بدوره أمر مستحيل. وكل ما قلناه في هذا الفصل إنما كان محاولة لإثبات استحالة هذين الافتراضين.
وهكذا تتَّضح لنا الصورة على حقيقتها؛ فقد يكون في إمكاننا أن نستعين بأمريكا في أمور كثيرة، ولكن ليس في صراعنا مع “إسرائيل”؛ ذلك لأن من يستنجد بأمريكا لكي تعينه على الوقوف في وجه “إسرائيل”، هو كما يقول المثل العربي البليغ، كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو كمن يستعين بزعيم العصابة ليحمي نفسه من تهديدات عضو صغير من أعضائها — عضو له حقًّا مطامعه الجزئية الخاصة، ولكنه في نهاية الأمر يأتمر بأوامر الرئيس، ولا يستمد كيانه إلا من انتمائه إليه”.
ترى.. متى نعي ونفهم ونستوعب ذلك؟!
* فصل من كتاب: “العرب والنموذج الأميركي”، للكاتب الراحل د. فؤاد زكريا/ تاريخ الإصدار الأصلي في العام 1980/ الفصل الخامس/ قضية “إسرائيل”.




