مقالات

مـــاذا يـــريـــــد الــشــبـــــــــاب؟

الشيخ الدكتور حسان محيي الدين/ لبنان
خاص “المدارنت”..
سؤال واحد يتردد على ألسنة الجميع، كلما حدثت في المجتمعات خضات وثورات في العالم الذي يشهد تقلبات سياسية أو طائفية أو اقتصادية، وحتى لا نقول أنها ردة فعل من الشباب المتحمس، بما لديهم من مطالب في المجتمعات المختلفة، بحسب الأوضاع السياسية التي نشأت في كنفها كل حركة شبابية من هذه الحركات، وقد لا نتوافق مع الصواب إذا قلنا أنه مهما كان من اختلاف المطالب وعدم توحيدها في كل مجتمع من المجتمعات فإن ثمة حقيقة جوهرية تكشف عنها حركات الشباب في كل أرجاء العالم، ألا وهي أن ثمة شعوراً عاماً بعدم الرضا قد استقر في نفوس الغالبية العظمى من الشباب، فلم يعد أحدٌ من الجيل الجديد يسلم في قرارة نفسه بأن هذا العالم خيرٌ من العوالم الممكنة، أو أن الأنظمة السياسية السائدة حالياً في العالم هي خير الأنظمة الممكنة، أو أن الجمعيات المعنية بالأعمال الخيرية والإجتماعية أو السياسية في معظم بلدان العالم من خيرها…
وسواء أطلقنا على تصرفات وحركات الشباب صفة (التمرد) أم اكتفينا أن نسميها (الشعور بالسخط) فإننا في كلتا الحالتين لن نستطيع أن نعفي ساسة العالم من مسؤوليةوتوليد هذا الإحساس العارم بالتذمر في نفوس الشباب، والواقع أن أقل ما يمكن أن توصف به حركات الشباب في معظم أرجاء العالم هو أنها أمارات استياء تكشف عن ضيق ذرع الأجيال الناشئة بأساليب القائمين على شؤون العالم السياسية، سواء في مضمار المؤسسات والإدارات الداخلية أم في مضمار العلاقات الخارجية، وكأن هذه الحركات هي مجرد إشهار علني لإفلاس ساسة العالم في السيطرة على مصير الإنسانية…
من هنا نقول، ليس المهم ماذا يريد الشباب، بل المهم أنه يريد، فمعظم حركات الشباب تبدأ عفوية وصدفة، فهم في الحقيقة لا يعربون بداية عن مطالب محددة، أو يضعون بين أيدي المسؤولين قضايا واضحة، إنما غايتهم أن يعلنوا على الملأ أنهم أصحاب حق، ويسعون لتقرير مصير نتيجة تحركاتهم، لذلك، نرى استغلال القوى والأحزاب وحتى السلطة أحياناً، لحركات الشباب ودس العيون فيما بينهم وإختراقهم لإضعافهم وتشتيتهم والعمل على تدمير حركاتهم، وهذا ما ظهر جلياً في معظم ثورات الربيع العربي التي نتج عنها منظومات سياسية حاكمة بالحديد والنار ومستبدة بالظلم والدمار.
والحق أن ثورات الشباب في معظم أرجاء العالم دخلت منحى الفعالية والنشاط الزائد منها في باب الغائية والنشاط الهادف، وليس يعني أن تلك الحركات قد خلت تماماً من كل هدف، وإنما لم تضع منذ البداية الأهداف المحددة، واستندت في نشاطها إلى موازنة صحيحة بين الوسائل والغايات، فكانت النتيجة عدوى الثورة منتشرة بسرعة فائقة بين صفوف الشباب في شتى بقاع العالم ولم تكن سوى تعبير عن رغبة الشباب في التحرك أغلب الأحيان.
والحق أن الدافع الأكبر الذي يكاد يكون هو المسؤول عن معظم الحركات الشبابية في العالم المعاصر، هو (إرادة التغيير)، فالشباب الساخط على أوضاع مجتمعه، الحانق على أنظمة بلاده، يسعى جاهداً في سبيل تغيير تلك الأوضاع والعمل على قلب تلك الأنظمة، والظاهر أن ثقة الشباب في قدرتهم الخاصة على التغيير هي التي تدفعهم إلى الظن بأن المستقبل الذي سيصنعونه بأيديهم لن يكون إلا أفضل من الماضي الذي لم يشتركوا في صنعه، أو الحاضر الذي لم يعودوا يملكون القدرة على احتماله، فالتغيير، في نظر الشباب، لا يمكن أن يكون تغييراً إلى ما هو أسوأ لأنه لا يمكن أن يكون هناك ما هو أسوأ من الحاضر.
نستخلص من كل ذلك، أن حماسة الشباب لن تصنع المعجزات، لأن الجيل الجديد من الشباب بما عليه من مسؤوليات تجاه مجتمعاته وأوطانه والعالم بأسره لا يستطيع أن يمضي قُدُماً في حركاته التحررية إذا لم يكن الهدف واضحاً فمن المؤكد عدم التوجيه الصحيح يؤدي إلى تحرك ونشاط أجوف غير ذي موضوع، وإذا أخذنا ظاهرة الفقر والبطالة المتفشيتين في مجتمعات الشباب كتحرك أساسي، فهي لا تحل المشكلة عن طريق الإضرابات والمظاهرات والثورات وغيرها من الشعارات، فمعظم الدول التي يثور شبانها تعتبر أن صوت الشباب هو صوت معارضة حيث لا معارضة، بالمقابل على الشباب أن يحافظوا على وجودهم ككيان مستقل وفعال في بناء المجتمع، وممارسة الدور الحضاري لهم في الأمة، فالشباب يمثلون، دائماً، مراكز الوعي الديني والثقافي والحضاري، وهذا ما يولّد الحرص بالحفاظ على معرفة اتجاهاتهم، وخريطة مقاصدهم، والتعاون مع السلطة في خلق حوار جدي وبنّاء ليُصار بعده لمنح الشباب مراكز القيادة في مجتمع المستقبل…
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى