مقالات

 مـلـحـمـــة وطـــن..!

الشيخ د. حسّان محيي الدين*/ لبنان

خاص “المدارنت”..
دمٌ جديد يتدفق على ساحات الشرف، الممتدة من شمال الوطن المجروح، إلى جبله الأشم وبقاعه الأغر وجنوبه الصامد، عبر تاريخ الحضارات، التي لم تترك إلا بصمتها المتعرية على صخرة (الروشة) الشامخة، والدالّة على قهر الغزاة وكسر جبورتهم، الطامعين في نهب كنوز العاصمة الحبيبة بيروت المحروسة.

ما حصل في الأمس القريب على أرض (خلدة)، بوابة الصمود في وجه الإحتلال الصهيوني، إبٍان اجتياحه العاصمة في ثمانينيات القرن الماضي، من إراقة دم نابض بروح الثورة، وصوت الحق، ووهج النضال، بدمٍ باردٍ خالٍ من الإنسانية ومن الشجاعة ومن الوطنية الصادقة، يسجل سابقة خطيرة في انتهاك حرمة الدم الإنساني الشريف، وبكل سذاجة وإجرام وإرهاب، وعن تصميم، لكمِّ أفواه الحق الصادحة والصارخة بوجه الإستبداد السياسي والإقطاع العائلي والحقد الطائفي، وكأن استباحة دماء الناس البريئة أضحى غذاءً ملكياً للمتربعين على عرش السلطة، بقبح الجهالة وسَفَه النذالة، بأيدي أذنابهم وعبيدهم، وكأنهم لا يعلمون قول الله تعالى:

“مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”… صدق الله العظيم.. (سورة المائدة – الآية 32).

إن الأمور في هذا الوطن، باتت خارج إطار المنطق الحكيم والعقل السليم، لقد بدأت تتدحرج نحو الهاوية، بسبب تعنُّت السلطة الفاسدة، واستئثارها بالمناصب التي حصلت عليها بالإستقواء والإستعلاء، والإستعباد والإسترقاق، وبتكاليف باهظة، تعدَّت الأموال المنهوبة، منذ ثلاثة عقود، لتتحول إلى حمام دم حزين بدأ بـ”حسين العطار” مروراً بـ”عمر زكريا” ومتابعاً بـ”علاء أبو فخر”، و”الحبل عالجرّار، وربما مستقبلاً، آخر وآخر وآخر… ولا ينتهي مسلسل القتل المتعمد، ليحيا الملك الضليل، ولو على أطلال مملكته الهشة الفاسدة النتنة، لقد تجاوزت السلطة الخطوط الحمراء بحق الشعب اللبناني الثائر، الذي ما فتئ منذ شهر وهو يطالب بالعيش المحترم، بالعيش الإنساني، بأدنى مقوّمات الحقوق الوطنية في أي بلد، ولو كان متخلفاً، فالشعارات الزائفة التي روجتها السلطة منذ عشرات السنوات، ما كانت إلا دعايات إعلانية، كالتي نشاهدها على شاشات التلفزة، لتغطي سرقاتها واختلاسها وجرائمها..

في لبنان، ينعدم الأمن، مع وجود أجهزة أمنية وقوى مسلحة بمسميات متعددة، وبفروع وأقسام ومكاتب مختلفة، ويخال اللبناني عندما يسمع بها كأنه في لندن أو نيويورك أو موسكو، ولكنه يكتشف بعدها مصدوماً، أن بعض “العسكر” يتبع للزعيم في أي مخفر أو قطعة أو ثكنة، وما هو إلا مجرّد صورة للشرعية المسحوبة منهم، تحت منطق ميليشيوي ومافياوي.

أما عن القضاء، فحدِّث ولا حرج، عن الإستنسابية والتبعية والكيدية، فلا نزاهة ولا عدالة، ولا قرار قضائي سليم خالٍ من الضغوط والتلاعب والإحتيال على الدستور والقوانين، وخالٍ من الممارسات التعسفية من زعماء الطوائف والساسة المجرمين الحقيقيين، ليُطَبّق فقط على فقير الحال، وبسيط ذات اليد، وما شعار “العدل أساس الملك”، إلّا لوحة كساها الصدأ وعلاها الغبار، حتى ما عاد لها حول ولا قوة، من إبعاد شبح النسيان والإهمال عنها.

إن لم يتدارك الساسة الفاسدون والمتحكمون بالقرار السياسي في لبنان، ويبادروا إلى الإستقالة ومغادرة السلطة، حفاظاً على السلم الأهلي، ومنعاً لإراقة مزيد من الدماء والفوضى، فالشعب اللبناني الثائر، لن يغفر لهم ما حصل، ولن يرحم تجاهلهم للمطالب الثورية المحقة، فالتاريخ مليء بالصور والوقائع، التي دونت إنتصار ثورة الشعوب على طغيان حكامها، فالحراك الشعبي لن يطول، حتى يُحدث الله له أمراً واقعاً ومصيباً، في هذه الطبقة السياسية الحاكمة.

فرحمة بلبنان، ورحمة بصرخة شعبه الثائر، ورحمة بأنفسكم، غادروا السلطة غير مأسوف عليكم، وأريحوا مناصبكم من ثقلكم المزمن المنهك، حتى لا تندموا ولات ساعة مندم…

* أكاديمي وداعية إسلامي.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى