مقالات

من “بوابة الشرق والغرب” الى “حديقة خلفية”

د. حسام محيي الدين/ لبنان
خاص “المدارنت”..
لبنان، تلك النقطة على الخريطة، ليس مجرد خطأٍ تاريخي كما يطيب للبعض تسويقه، بل هو دولة نشأت كغيرها من دول المشرق العربي، وربما قبلها جميعاً على أنقاض الولايات العثمانية عام 1920. والنظر المجهري الى هذه النقطة، من منظار جغرافي أولاً، يدفع الى التفكر في إيجابيات وأهمية هذه الدولة التي تخترقها طولياً سلسلتا جبال هي الأعلى في المنطقة، وتتقاطع معها مجاري أنهار وموارد مائية، وربما نفطية يتمّ كشف اللثام عنها الآن، وفي هذا التوقيت الذهبي. ولكن…
يبدو أن السياسة ما خامرت شيء إلا وأفسدته، وكذلك الأمر بالنسبة لوضع لبنان. إذ إن الموقع الاستراتيجي أولاً لهذا البلد المضياف، وتنوعه البيئي، وغناه الثقافي والحضاري، وتمازج أبنائه وحسن طباعهم، دفع به لأن يكون محطّ أنظار الدول القريبة قبل البعيدة. وكما كانت الدول-المدن الفينيقية في فترة من الفترات، عامل جذب من خلال غناها، وامتدادها الاقتصادي على المساحة التجارية لحوض المتوسط، بقي لبنان الحديث، وعلى الرغم من تطور القانون الدولي، وانتهاء عهد الغزوات، وزمن الابتلاع الامبراطوري، يمثل للبعض إسقاطاً تاريخياً لتلك المدن المزدهرة، القابلة للحصار والمصادرة والطيّ السياسي، على اعتبار أنها هشّة، وغير متماسكة، فيما بينها. فكان لبنان على مرّ القرن العشرين، حتى الزمن الحالي، موضع استقطاب للتدخلات المختلفة، بل ساحة للصراعات فيما بينها.
وهذا ما أشار اليه ميشال شيحا بقوله: “لبنان على خريطة العالم، بقعة صغيرة في موقع جغرافي مميّز عند ملتقى القارات القديمة الثلاث. وهذا لا يعني انه يكون رأس جسر مثالي وحسب، بل واحدٌا من مَراقب العالم، وهذا ما جعله قبلة أطماع جيرانه والغزاة من كل حدبٍ عبر تاريخه الطويل الطويل”. ولعل هذا التوصيف الجيو-استراتيجي للبنان، دفع الكثير لتسميته ببوابة الشرق والغرب، بل لإضفاء تلك الصفة الحساسة عليه، من منطلق موقعه، واستناداً الى دور أبنائه وثقافتهم وانتشارهم بين هذين القطبين. وربما هذه الهوية بحد ذاتها، كانت وما زالت رصيد غنى له، قبل أي شيء آخر، في حال استفاد من موقعه، كما ينبغي له أن يفعل، وكما نصح به الكثير من المفكرين ومن بينهم ميشال شيحا نفسه الذي قال: “على لبنان أن يسلّك (canaliser) أو يمرر صراعات الآخرين في قنوات حيادية على أرضه، دون أن يكون طرفاً فيها”. وهذه النصيحة هي حاسمة في الحفاظ على وجوده وهويته، وأساسية في فلسفة استفادته الاقتصادية من موقعه بين الشرق والغرب.
ولما كان زمن “النصيحة بجمل” ولّى من كتاب اللبنانيين منذ الاستقلال وما قبله، فقد نبذ اللبنانيون التلاقي والتوحد، والقراءة في كتاب واحد، بل هشّموا أحد مقومات الدولة الأساسي، ألا وهو الشعب الموحد برؤية للحاضر وتطلعاته للمستقبل، وكتب كل فصيل منهم إن لم نقل كل فرد، تاريخه وفق مفهوم خاص، ومصلحة خاصة، وهوية خاصة، تتجافى مع الانتماء الى هذه الدولة. وتراوحت الانتماءات بين الدوائر الصغرى للعائلة والعشيرة الى دوائر وسطى حسب المناطق، ومنها الى دوائر انتماء أوسع باتجاه الطائفة. ليس هذا فحسب، بل عبر العديد بانتماءاته الحدود باتجاه الشرق وباتجاه الغرب دون أي التفاتة للنصائح التاريخية.
وكي لا نجانب الواقع التاريخي، تحولت الانتماءات الصغرى والكبرى، إلى ولاءات بعيدة عن الولاء للوطن، وأغرق اللبنانيون بمعظمهم في الولاء لزعماء دوائر انتماءاتهم المختلفة بين محلية وإقليمية ودولية، ولاءً مطلقاً، مقدساً غير قابل للنقد ولا للتحليل، ولاءً دفع بهم الى تحويل هوية لبنان شيئاً فشيئاً من بلد-البوابة، ورأس الجسر، الى “حديقة خلفية” لمصالح الدول الأخرى، كبرى وصغرى. لقد تداعت بسبب هذه الولاءات المتباينة مفاصل الدولة، وترهلت سيادتها، وأصبحت حدودها باهتة من كثرة الاجتياحات العسكرية وغير العسكرية التي تجاوزتها دون رادع الى الداخل اللبناني، وفي غالب الأحيان، بدعوة وبرضى من اللبنانيين أنفسهم! كيف لا، وهم آثروا على أنفسهم، وأمام كل تحول إقليمي، تقديم فروض الطاعة، والولاء لكل قضية تطرق أبواب المشرق: من قضية فلسطين إلى الوحدة السورية المصرية، الى الحروب العربية الإسرائيلية، الى العمليات الفدائية، الى التدخل الغربي في الشؤون العربية، الى الربيع العربي، الى انهيار الأنظمة في العراق وتونس ومصر وليبيا، الى الفوضى السورية، الى حرب اليمن… الخ.
لعل اللائحة تطول أكثر، ولكنها في الواقع هي حاضرة في خطاب اللبنانيين وقادتهم السياسيين، وماثلة في سطور خطباء المنابر، وبين أحرف العظات، والقاسم المشترك بينها جميعاً: تحويل هوية لبنان الجيو- استراتيجية من أمر لا بد أن يكون مسلّم به، الى “وجهة نظر”، كما اعتبرها البعض، مما دفع هذه الهوية الى التبدد على المستويات كافة: سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وندفع ثمنها الآن!
إن النقاش الحاصل، بين إعادة تركيب لبنان-البوابة، بل بالأحرى الحارس القوي للبوابة، وبين إبقائه “حديقة خلفية” يستفيد منها الآخرون، دون أن يكون لسكان هذه الحديقة لا حول ولا قوة، أخرج لبنان من حركة التاريخ! ولن يكون بمقدورهم استعادة الركوب على الموجة التاريخية المعاصرة بسهولة، وذلك بسبب فتح كل منهم لباب خلفي مطلّ على مصلحة دولية أو إقليمية، مما يعيق أخذ قرار توافقي موحّد، حول أي استحقاق مصيري، يمسّ الجميع، ووجودهم، بل إمكانيات بقائهم وموارد استدامتهم في التوطن السليم في دولة سليمة بكل ما في الكلمة من معنى!
لقد تمادى اللبنانيون في “توحّلِهم” في هذه “الحديقة الخلفية” دون حساب الوقت، وخسروا من دوران عقارب الساعة آلاف الدورات، بل ربما أعاد بعضهم بغباء العقارب الى الخلف، بحثاً عن مناكفة، ومعاندة، أو أملاً بمحاولة للحفاظ على زاوية من زوايا هذه الحديقة الخلفية “كجبهة أمامية” له، مع ما لها من انعكاس سلبي على الواقع اللبناني الممزق، والذي لم يعد يحتمل فلسفة الحرب اللانهائية، ولا تجارة السلاح المتفلت، ولا ثقافة الرصاص الطائش بين الأحياء، وفوق المرافق الحيوية بقصد وبدون قصد.
إن إبقاء لبنان في واقع سياسي مأزوم يكرر نفسه، إنما هو بقرار معظم زعماء الدوائر المحلية والخارجية؛ هؤلاء المتوطنون على “جبل الأولمب”، بعيداً عن أزمة لبنان الديمقراطية، وبعيداً عن هموم الناس وخبزهم اليومي؛ ما زال “أنصاف الآلهة” يراهنون كما راهنوا سابقاً على تدخل خارجي منتظر، يعيد ترتيب ما انكسر بينهم، علّهم يختارون رئيساً للجمهورية؛ وسواء أفلح أم لم يفلح في خوض غمار صفقاتهم السياسية وغير السياسية، سيلصقون به حتماً كل موبقاتهم، ويحملونه نعش الانهيار، فيما هم، منزهون عن الاتهام، سيحكمون كما حكموا دائماً الزوايا المعتمة في “الحديقة الخلفية”.
والعبرة لدى المواطنين اليائسين بصمت في هذا البلد، لم تعد في إيجاد قواسم مشتركة بين أنصاف الآلهة، لاختيار رئيس للجمهورية لعله فؤاد شهاب جديد، أو ربما كميل شمعون آخر، أو حتى اختيار رئيس بألوان قوس القزح، يرضي بألوانه كل الناظرين اليه؛ بل في التأمل الماورائي لكيفية قلب الطاولة على هؤلاء، واستعادة هوية لبنان الجيو-سياسية، وديمقراطيته الفريدة. لقد فشلت بنظر ما تبقى من شعب، النوايا الصلبة لدى العازمين على التغيير اللعبة الديمقراطية، عبر وصول نواب يعيشون في كوكب آخر بعيداً عن الندوة البرلمانية؛ كما استعصى مفهوم بناء المعارضة الحقيقية، من خلال الاستفراد بأصحاب النوايا الحسنة من النواب على قاعدة الأكثرية والأقلية. كما إن أي حل خارجي يقضي بترسيم مجموعة من التوازنات المليمترية بين أقطاب التعطيل السياسي، لن يعيد لبنان الى جادة الدول الديمقراطية، بل سيبقيه لفترة أطول في وحول الحديقة الخلفية التي استطاب فيها زعماء البلد، “التمرمغ” والصدام، دون أن يسقط أحدهم من حسابه أهمية الإبقاء على هذه الحديقة التي تنتعش إمارته الصغرى من خلالها.
لبنان اليوم، ليس بحاجة الى رئيس جمهورية فوراً، بل قبل هذا وذاك، بحاجة الى مؤتمر وطني حقيقي حول عنوان واحد، يتفق فيه الجميع على هوية لبنان الجيو/ سياسية، وعلى حياة لبنان واللبنانيين، وعلى الحفاظ على موارده المستدامة، من أجل الأجيال القادمة. ماذا ننتظر جميعاً؟ ألم نمل من أن يكبر أولادنا ليشهدوا مجدداً، كما شهد أجدادنا وآباؤنا ثم نحن الآن، استقالة حكومة، وفشل انتخاب رئيس جمهورية، وانقطاع الكهرباء، وانتشار الفساد، وطغيان مافيات التهريب، واللعب بسعر العملة الوطنية، وفقدان الأدوية والمواد الأساسية، وتعطيل المؤسسات، وفوضى السلاح، والتفلت الأمني…!
لنستعد هوية لبنان، قبل أن يتحول مجدداً، من حديقة خلفية موحلة، الى جبهة أمامية دائمة لمصالح الآخرين على أرضنا. حينها لن يكون بمقدور أحد، إعادة الزمن الى الخلف، ولا حتى العودة الى “وحول حديقته الخلفية”!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى