مقالات

من صدى السلطة إلى ضمير المجتمع.. دعوة لإعادة تأهيل المثقف

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”
حين كتبنا في مقال سابق عن الانتقال من “المثقف المشتبك” إلى “المثقف المنصّاتي”، لم يكن ذلك توصيفاً عابراً لحالة، بل محاولة لتشخيص تحوّل جذري في موقع المثقف ووظيفته. اليوم، ومع التعمّق في هذا التحوّل، يبدو أن الأزمة أعمق من مجرد تبدل موقع أو تغيّر خطاب. إننا إزاء خلل بنيوي أصاب الدور الثقافي، ولا يمكن تجاوزه إلا بمراجعة جذرية تبدأ من سؤال قاس: هل نحن بحاجة إلى إعادة تأهيل المثقف؟

أولاً: لماذا نطرح فكرة “إعادة التأهيل”؟!
ليس المقصود بـ”إعادة التأهيل” هنا نزعة أبوية أو وصاية فكرية، بل استعادة لفكرة التكوين الثقافي بوصفه ممارسة نقدية مستمرة، لا تقف عند حدود التحصيل الأكاديمي أو التخصص المهني. فالمثقف اليوم، في كثير من الأحيان، هو نتاج منظومة فقدت حساسيتها تجاه الواقع، واستبدلت التفاعل النقدي الحيّ باجترار مفاهيم فقدت صلاحيتها، فتحوّل إلى صدى لمراكز نفوذ سياسي أو مالي، أو لهيئات مؤسساتية وجهوية، وعلى رأسها المراكز البحثية المموّلة والموجَّهة من جهات حكومية، والتي تُعيد إنتاج المعرفة والخطاب وفق أجندات معدّة سلفاً، لا وفق أسئلة المجتمع أو استحقاقات الحقيقة، إنها لا تُنتج معرفة، بل تروّضها لتنسجم مع سردية السلطة أو مصالح السوق. هكذا لم يعد المثقف يشتبك مع واقعه بل ينزلق إلى تبريره، ويغدو أحياناً أداة تأطير وتضليل، أكثر منه صوتاً للتحرّر أو مساءلة السلطة

إعادة التأهيل، إذاً، هي دعوة للمثقف كي يُعيد النظر في أدواته وموقعه، ويُمارس نقداً ذاتياً يحرّره من وهم النخبوية أو من سطوة الشبكات الافتراضية التي تختزل الحضور الثقافي في تعبيرات سطحية، ومواقف انفعالية، ومراهنات قصيرة النفس.

ثانياً: لماذا نحتاج إلى إعادة تأهيل المثقف؟
لأن الأزمة لم تعد في موقع المثقف فقط، بل في وظيفته ومعنى وجوده. ففي الوقت الذي تتسارع فيه التحولات وتنهار فيه المعايير، انسحب كثير من المثقفين إلى عزلة مريحة، أو اندمجوا في مشهد سطحي تُسيّره الخوارزميات لا المبادئ، والنجومية لا المعرفة.

هل ننقل المعرفة أم نُسهم في تحويلها إلى سلعة؟
هل نواجه الرداءة أم نعيد تدويرها بلبوس “ثقافي” أنيق؟
هل نسمّي الأشياء بأسمائها أم نكتفي بـ”تحليل” المشهد من دون مساءلة الذات والمجتمع؟
لقد بات واضحاً أن الانهيار لم يُصِب فقط البنى السياسية والاجتماعية، بل أصاب أيضاً الضمير الثقافي، بحيث أصبح الصمت علامة حكمة، والحياد مهرباً من الالتزام، والموقف المؤجل نوعاً من “الذكاء الأخلاقي”.
وفي هذا السياق، فإن مساءلة دور المثقف لا تكتمل من دون مساءلة البنية التي جعلته شاهداً صامتاً، أو أحياناً مشاركاً في إعادة إنتاج التواطؤ.
لقد آن الأوان لتفكيك ما يمكن تسميته بـ”ديموقراطية النخب”، حين تتماهى الخطابات الثقافية مع سرديات السلطة، وتُسائل الفئات المهشّمة عن التغيير بينما تتجاهل مواقع التأثير الحقيقية. فالتواطؤ لا يصدر فقط عن القواعد الاجتماعية، بل يُبنى رمزياً على يد مؤسسات ومعايير يشارك فيها من يمتلكون أدوات التأثير، لا من يفتقرون حتى إلى أدوات النجاة.
ولا يكتمل هذا الخلل دون التوقّف أيضاً عند هشاشة الحقل العام، وضعف المؤسسات المستقلة، التي تركت المثقف معزولاً بين سلطة مهيمنة وجمهور مفكك، فغابت البيئات الوسيطة التي كانت تتيح للمثقف هامشاً للحركة والتأثير، حين يُسكت عن هذه البنية النخبوية، يصبح النقد أعوراً، ويُعفي من يملكون الوعي من المسؤولية، ليُحمّلها أولئك الذين حُرموا منها. وهنا تحديداً يتضح كم أصبح المثقف، في بعض المواقع، صدىً للسلطة أكثر من كونه ضميراً للمجتمع.
هكذا، في خضمّ الكارثة، انشغل كثير من المثقفين بتبرير العجز أو إعادة صياغة الخطأ كموقف، فتبدّلت اللغة، وتحوّلت الثقافة إلى واجهة لا مرآة، وإلى ترفٍ لا اشتباك.
ولهذا، فإن إعادة التأهيل والتثقيف، كما نراها، لا تبدأ من الكتب والمراجع، بل من الجرأة على الاعتراف بأن المثقف، أحياناً، كان جزءاً من الأزمة لا من حلّها.
إعادة التثقيف هنا لا تعني العودة إلى الماضي، بل التقدّم بشجاعة نحو موقع نقدي جديد، يُعيد للمثقف صوته المميّز، لا بوصفه مرجعية نقدية ولا ناطقاً رسمياً، بل كفاعل يعيد تعريف الثقافة كأداة للتحوّل الاجتماعي والسياسي، ومجالٍ للصراع على الوعي، وساحة لمساءلة السلطة، وتفكيك آليات الهيمنة والتزييف.


ثالثًا: النتائج المرجوة من إعادة تأهيل المثقيف
إعادة تثقيف المثقف وتأهيله ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لاستعادة دوره الحقيقي في المجتمع، وتحقيق تأثير فعلي يُقاس بالنتائج وبالقدرة على إحداث التحول، لا بمجرد التواجد الرمزي أو التداول السطحي للأفكار.
نطمح إلى تحقيق نتائج واضحة على أكثر من مستوى:
1/ استعادة الالتزام الأخلاقي والسياسي:
المثقف المعاد تثقيفه يستعيد حسّه بالمسؤولية تجاه مجتمعه وقضاياه، ويتجاوز حياد الموقف أو الحياد المزيف، ليكون صوتاً حقيقياً في مواجهة الظلم والفساد والتفاهة.
2/ تجديد النقد والوعي:
يصبح المثقف قادراً على تقديم نقد جريء وعميق، ليس فقط للأنظمة أو السلطات، بل أيضاً للنفس وللثقافة السائدة، فيفتح المجال أمام تجديد وعي المجتمع بكل أبعاده.
3/ الارتباط بالواقع والمجتمع: يُجدد المثقف علاقته بالواقع، ويبتعد عن الوجود الافتراضي فقط، ليصبح جزءاً من النضال الثقافي والاجتماعي الحقيقي، ما يعزز مصداقيته ويزيد تأثيره.
4/ تعزيز دور المثقف كفاعل ومبدع:
ينتقل المثقف من موقع المراقب أو المتلقّي، إلى موقع الفاعل والمبدع، يقدم أفكاراً وأدوات عمل تنقل المجتمع من حالة الجمود إلى حالة التحوّل.
5/ مقاومة تفاهة الثقافة: يعيد المثقف بناء خطاب ثقافي يرتفع فوق سطحية الخطاب اليومي، ويقاوم سيطرة منطق السوق على الثقافة، ليُعيد للمعرفة قيمتها الحقيقية، كأداة للوعي والتغيير.

خاتمة
في زمن يتسارع فيه التدهور الفكري والسياسي، حيث تتلاشى ملامح الالتزام والموقف، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في دور المثقف وموقعه الحقيقي. لم يعد كافيًا أن ننتقد الواقع أو نرثي لحال المثقف، بل علينا أن نتحرك نحو إعادة تثقيفه، كي يستعيد مكانته كفاعل مسؤول ومُحفّز للتغيير.

إعادة التثقيف والتأهيل ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة تاريخية، شرط لاستعادة البوصلة الأخلاقية والفكرية، وللتمكن من مواجهة تحديات الواقع المتشابك والمعقد. من المثقف المشتبك الذي كان قلباً نابضاً للوعي، إلى المثقف المنصاتي الذي يختزل دوره في الظهور والحديث، ثمة قطيعة تحتاج إلى جسرها عبر وعي جديد وإرادة صادقة.

النتائج المرجوّة من هذه العملية تتجاوز الذات الفردية لتشمل المجتمع كله، إذ لن يكون هناك وعي حقيقي إلا بمثقف يعيد بناء نفسه، ويعيد بناء أدواته، ويعيد تشكيل علاقته بالحقيقة والسلطة والشعب.

في النهاية، هي دعوة مفتوحة لكل مثقف يرغب في أن يكون بوصلة في زمن التيه، لا مجرد صدى في زحام الأصوات.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى