مقالات

نار الإقليم في صندوق نتنياهو الانتخابي.. “إسرائيل” تتأبط شرًا!

د. كنانة خلف الكردي/ سوريا

خاص “المدارنت”

“اسرائيل” خلف كل نار مشتعلة
ونتنياهو يستفيد من دخانها للتمويه
لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي الراهن بوصفه مجموعة أزمات منفصلة عن بعضها؛ فتصعيد (ميليشيا) الحوثي (التابعة لإيران) وضرب السعودية والتهديدات التي تطال الأراضي، تؤكد أن قراءة المشهد تحتاج إلى التمييز بين من يصنع الحدث ومن يستثمره ومن يحاول توجيه نتائجه بما يخدم مصالحه، فحركة المُسيّرات في الأجواء العربية واضطراب الملاحة والطاقة، والتحذيرات الأمريكية المتلاحقة إلى جانب الاحتجاجات التي تشهدها بعض العواصم الغربية، تضع المنطقة أمام مشهد متداخل تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع المصالح السياسية والاستحقاقات الانتخابية.

لكن السؤال الاستراتيجي الأهم؛ لا يتعلق فقط بأسباب هذه الأزمات، إنما بكيفية توظيفها ومن يستطيع تحويل تزامنها إلى ورقة ضغط تخدم أهدافه السياسية.

وهنا تبرز “إسرائيل”، وبشكل خاص (الإرهابي الصهيوني) بنيامين نتنياهو الذي يواجه استحقاقات داخلية تتداخل فيها حسابات البقاء السياسي، مع ملف الأمن القومي ومستقبل حكومته، فكلما ارتفع منسوب التوتر في الإقليم، ازدادت إمكانية تقديم المشهد أمام الناخب “الإسرائيلي”؛ باعتباره معركة أمنية مفتوحة لا تحتمل تغيير القيادة أو المجازفة ببدائل سياسية.

هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها
نتنياهو، لا يحتاج بالضرورة إلى صناعة كل أزمة حتى يستفيد منها، ولا يمكن الجزم بأن احتجاجات فرنسا أو التصعيد الحوثي أو تحركات المُسيّرات تجري ضمن خطة “إسرائيلية” موحدة، لكن القدرة على استثمار الأحداث وإعادة تركيبها ضمن رواية سياسية واحدة تمثل بحد ذاتها أداة نفوذ مؤثرة.

فالتصعيد “الحوثي”، يمكن تقديمه باعتباره دليلا على اتساع نطاق التهديدات المرتبطة بإيران وحلفائها، والتوتر في الخليج والبحر الأحمر؛ يمكن توظيفه لإبراز هشاشة البيئة الأمنية المحيطة، أما التحذيرات الأمريكية، فتمنح الخطاب الأمني المتشدد مساحة إضافية، في حين يمكن استثمار الاضطرابات الغربية إعلاميا للإيحاء بأن العالم يدخل مرحلة من عدم الاستقرار، وأن “إسرائيل” تحتاج إلى مزيد من التماسك الداخلي.

بهذه الطريقة، تتحول الأزمات المتباعدة جغرافيًا، والمختلفة في أسبابها إلى مشهد واحد في الوعي السياسي “الإسرائيلي”

الانتخابات بوصفها معركة على الخوف
في الحسابات الانتخابية، لا يكفي أن تقدم القيادة نفسها باعتبارها صاحبة الإنجازات، بل تحتاج أحيانا إلى إقناع الناخب بأن البديل الجديد، قد يكون أكثر خطورة من استمرارها، وهنا يستطيع نتنياهو إعادة صياغة السؤال الداخلي من محاسبة الحكومة على أدائها السياسي والاقتصادي، إلى التساؤل عمن يملك القدرة على حماية “إسرائيل” في بيئة إقليمية مضطربة، إنها آلية سياسية معروفة تقوم على تقديم الأمن باعتباره الأولوية التي تتقدم على بقية الملفات؛ وعندما يتصدر الخوف المشهد تتراجع مساحة النقاش حول الإخفاقات الداخلية، وتصبح الخبرة العسكرية والقدرة على اتخاذ القرار السريع؛ عناصر أكثر تأثيرا في خيارات الناخبين.

لكن ذلك لا يعني أن المجتمع “الإسرائيلي”؛ سيتجه تلقائيا إلى دعم نتنياهو، فالحروب والأزمات الأمنية قد تعزز موقع القيادة أحيانا، وقد تتحول في أحيان أخرى إلى عبء عليها، إذا ارتبطت بخسائر بشرية أو إخفاقات استخباراتية، أو تدهور اقتصادي أو عجز عن تحقيق الأهداف المعلنة.

لذلك فإن الرهان الانتخابي لا يقوم على وجود الخطر وحده، إنما على قدرة نتنياهو على إقناع الجمهور، بأنه قادر على احتوائه وأن خصومه أقل كفاءة في التعامل معه.

من الورقة الانتخابية إلى التصعيد الإقليمي
تكمن الخطورة الحقيقية في أن توظيف الخوف داخليا؛ قد يفتح المجال أمام قرارات أكثر هجومية خارجيا، فإذا جرى تصوير التهديدات المتعددة باعتبارها أجزاء من معركة واحدة، فقد يصبح التصعيد الاستباقي قابلا للتسويق باعتباره ضرورة أمنية، وليس خيارا سياسيا قابلا للنقاش، وهنا، يتجاوز الأمر حدود الانتخابات “الإسرائيلية”، ليصل إلى مستقبل المنطقة بأكملها فإعادة تعريف التهديدات قد تستخدم لتبرير توسيع نطاق العمليات العسكرية أو تغيير قواعد الاشتباك، أو تعزيز النفوذ “الإسرائيلي”، تحت عنوان: حماية الحدود ومنع الأخطار قبل وصولها.

أما الولايات المتحدة، فإن تحركاتها وتحذيراتها لا تعني بالضرورة أنها تتحرك وفق حسابات نتنياهو وحده، فواشنطن، تملك مصالحها وأولوياتها الخاصة؛ لكن تقاطع المصالح في بعض الملفات قد يمنح الحكومة “الإسرائيلية”، هامشا إضافيا للمناورة، ويجعل قرارات التصعيد أكثر تعقيدا بالنسبة إلى دول المنطقة.

من هنا، نرى أن قراءة المشهد تحتاج إلى التمييز بين من يصنع الحدث، ومن يستثمره، ومن يحاول توجيه نتائجه بما يخدم مصالحه. فـ”إسرائيل” لا تحتاج إلى أن تكون خلف كل نار مشتعلة؛ حتى تستفيد من دخانها، ونتنياهو لا يحتاج إلى صناعة كل خطر حتى يحوله إلى ورقة ضغط داخلية.

يكفي أن ينجح في إقناع الناخب بأن الإقليم المحيط بـ”إسرائيل”، يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، وأن تغيير القيادة في هذا التوقيت قد يحمل مخاطر لا يمكن التنبؤ بنتائجها، لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا، هو: ما إذا كان هذا الخطاب يهدف فعلا إلى احتواء الأخطار أم أنه قد يتحول إلى مبرر لتوسيعها؟

وحين يصبح الخوف رأسمالا انتخابيًا، قد تتحول الأزمات الخارجية إلى أدوات لإعادة ترتيب الداخل، وحين تتحول هذه الأدوات إلى قرارات عسكرية، يصبح الإقليم بأكمله عرضة لدفع ثمن الحسابات السياسية، وهنا تكمن دلالة العنوان: “إسرائيل” تتأبط شرًا، ليس لأن كل أزمة في المنطقة دليل على خطة “إسرائيلية” واحدة، إنما لأن تزامن الأزمات قد يوفر فرصة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية بما يخدم طموحات تل أبيب.

ويبقى التحدي أمام دول المنطقة، ألا تسمح بتحويل اضطرابها إلى مبرر لتوسيع المواجهات، وأن تميز بين التهديدات الحقيقية ومحاولات توظيفها سياسيا، فالمعركة لا تدور فقط حول من يملك القوة العسكرية، بل حول من يملك القدرة على تعريف الخطر وتوجيه الرأي العام، وتحديد اللحظة التي يصبح فيها الخوف قرارا سياسيا.

وعندما تتحول نار الإقليم إلى ورقة انتخابية، فإن أخطر الاحتمالات أن تنتهي الحسابات الداخلية إلى تصعيد يدفع ثمنه الجميع.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى