“المدارنت”.. وقع تحت يديّ، هذا المقال النادر للسياسي والمفكر الراحل “ميشال عفلق”، أحد مؤسّسي “حزب البعث العربي الإشتراكى”،، والمنشور بكتابه “معركة المصير الواحد” الصادر عام 1956، وذلك قبل أن تحتدم الخلافات بين الرئيس جمال عبد الناصر، وقادة حزب البعث، عقب الوحدة المصرية السورية عام 1958، وبعد تصدّي عبد الناصر لمحاولة البعث تحويل سورية لحكر بعثى تحت حكم جمال عبد الناصر. وعقب انفصال الوحدة بمؤامرة شارك فيها حزب البعث فى 28 سبتمبر 1961، ووقع على وثيقة العار وثيقة الانفصال أحد كبار قادته “صلاح البيطار”، كما أيد الانفصال “ميشال عفلق” ذاته، اشتعلت حرب ضروس بين النظام الناصري وحزب البعث، استمرت حتى رحيل “جمال عبد الناصر” فى 28 سبتمبر 1970، تبادل خلالها الطرفان شتى الاتهامات، لم يدرك قادة حزب البعث أهمية وجود قيادة سياسية بحجم جمال عبد الناصر فى مصر القطر القاعدة بالعالم العربي، لذا شنّوا عليه حرباً إعلامية طاحنة لم تتوقف إلا بعد موته، وبعد رحيله بدأ التباكي عليه والإشادة بخصاله، والإحساس بعظمته خصوصاً مع خلافة نقيضه أنور السادات له. كان التحالف بين قائد سياسي كجمال عبد الناصر وحزب قومي قوى كالبعث فرصة تاريخية ضائعة، لو تمت لجنبت القوميين العرب مآسي عديدة، حاقت بالمشروع القومى العربي بسبب الصراع الناصري البعثي طيلة حقبة الستينيات من القرن الماضي، للأسف كان إحساس قادة حزب البعث بالدونية أمام عبد الناصر وشعبيته ونفوذه، ورفض عبد الناصر للتنظيمات الحزبية من أهم أسباب هذا الصراع السياسي الذي تسبب فى فشل التحالف بين الزعيم التاريخي للقومية العربية وأهم حزب قومي عربي فى التاريخ المعاصر. ومما يؤلم أن تكون كل التقارير الإستخباراتية الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية فى حقبة الستينيات من القرن العشرين، تشير إلى أن أكبر قوتين سياسيتين منظمتين فى العالم العربي ”جماعة الإخوان المسلمين – حزب البعث” فى حالة عداء شديد لجمال عبد الناصر ونظام حكمه، وهكذا كان البعث صنو الإخوان فى محاربة عبد الناصر وقتها. من هنا تأتى أهمية هذا المقال المنشور عام 1956 لمؤسس حزب البعث “ميشال عفلق”، فالمقال به استشراف للمستقبل، تحقق منه الكثير، وبه حجة على ميشيل عفلق ذاته لانقلابه على ما خطه بيده من كلمات. كتب ميشال عفلق: ”عبد الناصر فى شخصه ونفسيته وتفكيره والنظام الذى أوجده والاتجاه الذى اعتنقه وأخلص له والقاعدة المنظمة المتينة التى ركز عليها هذا الاتجاه والتى هى نظام الحكم فى مصر كنواة جبارة ومنطلق فعال لاستقطاب نضال الشعب فى كل مكان واجتذاب كل عناصر الخير والقوة والتقدم الكامنة والمتناثرة فى هذا الشعب. جمال عبد الناصر هو فعلاً وبالذات موضوع وهدف لهذه المعركة الفاصلة التى يشنها الغرب الاستعمارى من خلال شخصه على العرب وحريتهم ووحدتهم وتقدمهم . لو زال عبد الناصر، فإن ذلك سيرجع بالعرب عشرات السنين إلى الوراء، إلى زمن الاحتلال والتجزئة والفساد والانحلال، لأن سياسة عبد الناصر الاستقلالية العربية قد رفعت قضية العرب وإمكاناتهم درجات حاسمة إلى فوق، ونقلتها إلى المستوى الجدى الذى يفصل فصلاً حاسماً لا لبس فيه بين الأوضاع الراهنة الفاسدة، التى هى سبب ضعف العرب وسيطرة الاستعمار ووجود إسرائيل، وبين الحياة والأوضاع الجديدة التى يتطلع إليها العرب، والتى توفر لهم من أسباب القوة ما يكفل تحررهم ووحدتهم. هذا ما أدركه الاستعمار منذ البدء، ومنذ أن لمس التجاوب العميق بين سياسة عبد الناصر وبين اندفاعات الشعب العربي فى كل قطر، ولكن الفئات الرجعية المتآمرة فى الأقطار العربية ،ظلت إلى ما قبل أيام تنكر هذه الحقيقة وتكابر فيها، وتتجاهل القفزة التاريخية التى حققها عبد الناصر فى حياة الأمة العربية فى هذه المرحلة المفصلية من تاريخها، لذا فبقاء عبد الناصر ضرورة حيوية لمستقبل العرب”. انتهى مقال “ميشال عفلق” المكتوب عام 1956، ولو أنه قام بتحويل تلك الكلمات إلى أفعال لتغير مجرى التاريخ العربي المعاصر. رحم الله جمال عبد الناصر وميشال عفلق. * المصدر: صفحة الكاتب على “فيسبوك”.