هل تدعم “الحدث” و”العربية” المشروع الكردي الانفصالي؟!


//خاص المدارنت//.. كتب محمد خليفة/ أوروبا
تعاني المحطات الفضائية العربية عموماً، من حالة اضطراب معايير، تبدأ من اختيار العاملين فيها، لتصل الى مادتها الاخبارية وبرامجها. لعل أبرز أمثلة هذه الحالة، هو المعايير الثلاثة التي يتضمنها دفتر التوظيف السرّي الذي تعتمده في اختيار العاملين فيها، وهي:
– تفضيل الأنثى على الذكر .
– تفضيل الجميلات والحسناوات على الأقل حسنا وجمالا، ولو كنّ أقل ثقافة وكفاءة .
– أولوية المتحرّرة والأنيقة (أو حتى المبتذلة) على المحتشمة والرصينة .
العاملون في المؤسسات الاعلامية، يعلمون يقينا أنه ليس بين معايير الفضائيات العربية شرط أو أولوية الكفاءة والثقافة على الجمال، فالأنثوية والجمال يتقدمان على ما عداهما، ونعلم أن هذه المعايير سببت ضحالة وجهالة في مستوى البرامج واللغة والأداء في غالبية المحطات، تدفع الأمة كلها ثمنا لها .
هناك مثال حيّ وحديث على ضحالة وخطورة الجهل، وطريقة التسويق التجاري المغشوش المتفشي في عملية انتاج السلعة الخبرية، أو المادة الإعلامية التي يقدمها اعلاميون، قليلو الفهم والخبرة بخفة واستخفاف، أو صحافيات جميلات مبتدئات يفتقرن لخلفية مهنية وثقافية كافية. ونحن المتابعون المحترفون، نعلم أن تلك المواد السطحية لا تخضع لرقابة أو مراجعة علمية، أو تدقيق وتصويب قبل الموافقة عليها وبثها، كما تفعل بعض المحطات العالمية المحترمة (بي بي سي الفرنسية، وسي إن إن.. الخ.
في قناتي (الحدث والعربية) صحافية تدعى رولا الخطيب (هكذا تكتب القناة اسمها الأول)، ذهبت ثلاث مرات الى شمال وشرق سوريا، وأعدت “ريبورتاجات” كثيرة عن مخلفات “داعش”، ومواضيع تتعلق بالصراعات العرقية بين مكونات المنطقة، وبواقعها الحالي، بما فيها المسألة الكردية، والواقع الذي أوجدته (قسَد) أو الحركة الكردية العنصرية المعادية للعرب عبر السنوات الثماني السابقة.
قناة “الحدث”، تقدم للأسف هذه المواد كأنها سبق صحافي عالمي، وتضفي عليها أهمية استثنائية، وتثني على شجاعة مراسلتها، ولا تكتفي بتقاريرها، بل تجري معها مقابلات لتسرد انطباعاتها ومشاهداتها الشخصية خلال التجربة، وترد الصحافية المبتدئة بإجابات تنم عن جهل فاضح، وتزوير للحقائق، لا يقع فيه إعلامي مهني، ولا يجب أن تبثها قناة رصينة نكن لها كل الاحترام.
المراسلة، تقدم صورة دعائية فجّة عن واقع وانجازات “الادارة الذاتية”، التي أحدثتها وفرضتها بقوة السلاح والإرهاب على أهالي المنطقة قوات حزب “الاتحاد الديموقراطي” الكردي العنصري، الذي حصل على تمويله وسلاحه منذ بداية الثورة عام 2011 من مخابرات نظام الأسد وقواته العسكرية، بناء على تحالف طويل وعميق بينهما، وتآمر ثنائي على تركيا. حيث فوّض النظام حليفه الكردي بالهيمنمة على المنطقة، ومنع جماهيرها من الإنضمام للثورة، ريثما يسحقها، ويعود هو للسيطرة عليها .
وقام الحزب وميلشياته منذ بداية 2012، بارتكاب مجازر تطهير وإبادة عرقية، وعمليات تغيير ديموغرافي، من خلال حرق مئات القرى وتهجير سكانها العرب، ومصادرة ممتلكاتهم العقارية والزراعية، وتوطين أكراد من تركيا فيها بدلا منهم، بغرض تغيير هوية الاقليم، وشملت أيضا عمليات تهجير قسرية لمن نجا من القتل من سكانها أصحاب الأرض التاريخيين، الذين يشكلون حتى الآن أكثرية السكان مع السريان المسيحيين، بينما تؤكد المصادر العلمية أن الأكراد قد جاؤوا هاربين من تركيا، وقام الحزب بتغيير أسماء القرى والمدن والبلدات، وفرض واقعا ديموغرافيا جديدا على حساب العرب، كما فرض اللغة الكردية كلغة رسمية للادارة، والتعليم قسرياً، وأنشأ جيشا نظاميا، تلقى دعما ماليا وتدريبيا وتسليحيا من روسيا، ثم من الولايات المتحدة، بعد دخولها الى سوريت عام 2014.. إلخ .
هذه المعطيات التي تحدثت عنها آلاف التقارير الإخبارية، وتقارير منظمات حقوق الانسان الغربية والدولية على مدى ثماني سنوات، لم تستحق من المراسلة البارعة سؤالا واحدا، أو إشارة بسيطة. بل ركزت كافة تقاريرها على الإنجازات الخارقة المزعومة للإدارة الذاتية الكردية، على صعيد الثورة الإجتماعية، وتحرير المرأة، وتحقيق العدالة، وحكم القانون، وحماية المرأة، وبناء مؤسسات ديموقراطية تساوي بين الجنسين، تكفل حقوق كل منهما، وبخاصة الأنثى .

وصوّرت المراسلة الأوضاع الاجتماعية في المنطقة قبل هذه الثورة المزعومة، كما لو أنها كانت ظلاما دامسا، وتخلفا سحيقا، وظلما ذكوريا واجتماعيا شاملا، وكل هذه الأحكام المُسبقة مجرد أكاذيب وفبركات اختلقتها السلطة الكردية، وأعادت المراسلة الغريبة عن المنطقة “لبنانية”، انتاجها وترديدها، من دون أن تكلف نفسها عناء الرجوع الى المصادر العلمية والتاريخية المتوفرة بكثرة للاطلاع عليها، وفهم تطوراتها وظروفها .
الواقع أن المراسلة، وقعت تحت تاثير الميلشيات الكردية، وهي القوة المسيطرة على المنطقة، وهي التي استضافتها ووفرت لها الحماية، وجالت بها على مناطق عديدة، مثل دير الزور والحسكة والقامشلي، واكتفت الفتاة ذات الثقافة السطحية والضحلة، بترديد ما أملاه عليها مضيفوها كالببغاء، ولم ترَ غير ما عرضوه عليها، ولم تسمع غير ما قالوه لها.
وهي اعترفت في بداية تقاريرها، أنها خططت لمهمتها مع قوات قسَد الكردية، قبل أن تخطو أيّ خطوة، وبدأتها من أربيل، بالتنسيق مع قوات اقليم كردستان، التي استقبلتها ورافقتها حتى دخلت سوريا، واستلمتها قوات “قسَ”، ورافقتها وسط حماية مشددة الى المناطق التي تسيطر عليها في محافظة دير الزور، ثم عادت بها الى محافظة الحسكة ، وهي لا تستحي أن تسميها روج آفا، التسمية الكردية التي أطلقتها قسَد الانفصالية عليها، حيث أطلعتها على مظاهر ومعالم “حضارة وديموقراطية” الإدارة الذاتية الانفصالية في تلك المناطق! وتدّعي المراسلة زوراً وكذباً أن السكان العرب مشاركون في الادارة بلا تمييز، مثلهم كمثل الكرد، ولكنها لم تجرِ أيّ مقابلة مع أيّ شخصية عربية ذات موقع اجتماعي أو سياسي أو قبلي، لتستطلع رأيه في هذه المزاعم الخطيرة التي تتحدث عنها من وجهة نظر مُضيفيها الكرد.
طبعاً، هناك مسائل وموضوعات كثيرة يمكن التوقف عندها في تقارير رولا الخطيب، وكشف الأكاذيب والتزييف الذي لحقها عند تقديمها، إلا أنها بحاجة لمساحات واسعة، لا يسمح بها الحيّز المتاح لمقال صحافي.
الحقيقة الأخطر، هي أن المسألة تتجاوز في الحقيقة كونها مجرد أخطاء، وقعت فيها مراسلة شحيحة الثقافة والإطلاع، ومحدودة الخبرة العلمية والعملية، بهذه المنطقة من شمال سوريا، التي تتّسم بلا شك بالتعقيدات التاريخية.
نقول: إن الحقيقة الأخطر تتجاوز المراسلة الى القناة نفسها، لأن المؤشرات العيانية تؤكد موافقتها على ما ورد في تقارير مراسلتها، وهي تباركها وتحتفل بها عن سابق قصد وعمد، مما يحملها مسؤولية سياسية كبيرة، ويضع مهمتها الصحافية في سياق ونطاق آخرين ومختلفين، يجب التوقف عندهما في مناسبة أخرى، ولكن لا بد من إدانتهما بأقسى العبارات، لأنهما يضعان القناتين والقائمين عليهما في خندق الساعين الى تمزيق سوريا، ودعم الانفصاليين العنصريين الذين يُسمّيهم حتى المواطنون الأكراد في المنطقة بـ”حزب البعث الكردي”، أيّ أنها الوجه الكردي لحزب السلطة السورية الموصوف بالشوفينية، أو “داعش الكردية”، أيّ الوجه الآخر للمنظمة الارهابية.
وذلك نتيجة ما لاقوه من قمع وإرهاب على أيادي ميلشيات قسًد والحزب المذكور، ومنظمات الإدارة الانفصالية، التي حلذت محلّ السلطة الأسدية، في تكميم الأفواه وقمع المخالفين والمعارضين، عرباً وكرداً، والزجّ بهم في الزنازين، بل واغتيال من لا يرضخون لسلطتها، كما اغتالت المناضل السوري البارز مشعل التمو منذ الأيام الأولى للثورة، لأنه نادى بوحدة السوريين عرباً وكرداً في مواجهة نظام الأسد، وأراد التحام المكونين في الثورة، بينما كانت استراتيجية حزب الاتحاد المرتبط عضوياً و”إيديولوجياً” بـ”حزب العمال الكردي – التركي “PKK”، تعميق الفوارق العرقية، والعداء العنصري بين العرب والكرد لإضعاف الثورة، وجرّ الشعبين الى صراع لا مبرر له، ولا يفيد منه سوى نظام الاسد، وهو ما نجح فيه، بسبب دعم النظام وإيران وروسيا، ثم أميركا له !



