مقالات

هل تستطيع السعوديّة قيادة العرب؟!

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”..
في خمسينيّات وستّينيّات القرن الماضي، كان ملوك المملكة العربيّة السعوديّة ضدّ المدّ القوميّ العربيّ، وضدّ السعي إلى الوحدة العربيّة بقيادة جمال عبد الناصر؛ ذلك لأنّهم كانوا تابعين، مئة بالمئة، للولايات المتّحدة الأميركيّة وسياستها الخارجيّة التي وقفت، وتقف، سدًّا منيعًا في وجه أيّة محاولة للتضامن العربيّ، باعتبارهِ خطرًا على مصالحها وعلى أمن وبقاء الكيان الصهيونيّ، الذي زرعه الاستعمار القديم في أرض فلسطين.
حارب ملوك آل سعود وأمراؤهم – ما عدا الأمير طلال، وغيره من “الأمراء الأحرار” – الوحدة العربيّة الأولى بين مصر وسوريا، وحاربوا، لاحقًا، حركات القوميّة العربيّة كلّها بأن دعموا الحركات “الاسلاميّة” المتنوِّعة، بعشرات المليارات من الدولارات، لتقوم بدورها في توجيه أجيال بأكملها ضدّ قوميّتها وعروبتها وانتمائها، باعتبار كل ذلك كفرًا وزندقة وانحرافًا عن الإسلام وضدًّا له وخطرًا داهمًا عليه.
إستمرّ ذلك الوضع، بعد غياب جمال عبد الناصر، لعشرات السنين تمّ خلالها انهاك القوى القوميّة وتمزيقها إلى أن تكفّلت أميركا، و”الربيع العربيّ “، بالقضاء على معظم الأنظمة التي ترفع شعارات القوميّة العربيّة والوحدة وفلسطين..
على أيّ حال، نحن الآن في مرحلة جديدة تحاول المملكة العربيّة السعوديّة، أن تطرح نفسها كقيادة للعرب في الآتي من السنين. هذه المملكة التي يدير شؤونها جيل متعلّم من الشباب، يقوده وليّ العهد (السعودي) الأمير محمد بن سلمان، تمتلك من القدرات والامكانيّات والنهوض في جميع المجالات، ما يجعلها مؤهّلة للقيادة بكل ما تعني الكلمة من معنى؛ فعلى الصعيد المالي لها ثروات لا محدودة، وعلى الصعيد الصعيد العلميّ والثقافيّ والإداريّ والاقتصاديّ لديها الكفاءات والخبرات في كلّ الاختصاصات، وعلى الصعيد الاجتماعيّ والدينيّ لديها مدّ هائل من مئات الملايين من البشر، الذين تهوي أفئدتهم إليها من دون تردُّد أو تأخير.
إذن، تمتلك المملكة العربيّة السعوديّة، كلّ مقوّمات النجاح التي تمكنُّها – لو أرادت – من قيادة العرب، نحو التحرُّر والنهوض والوحدة؛ فهؤلاء الشباب، الذين يديرون شؤونها اليوم، كانوا قد تعلّموا في الغرب، وتعرّفوا إلى أسباب تقدُّمه وتطوُّره ونهوضه المستمرّ وعرفوا – أكثر من ذلك – أنّ هذا الغرب ينظر إلى العرب نظرة دونيّة فيها من الاستعلاء، ما يصل إلى حدّ الاستهزاء والاحتقار عبّر عنه – بوضوح تامّ ووقاحة مُقَزِّزة – رئيس أميركا السابق (دونالد) “ترامب”، بتصريحاته المعروفة حول المملكة العربيّة السعوديّة، وملكِها سلمان بن عبد العزيز..
هذا الجيل الجديد من حكّام المملكة، الذي تفوّق في الدراسة على أقرانه الغربيّين، ويتفوّق عليهم في معظم المواقع التي يشغلها عندهم، أصبح لديه تراكمًا لا يستهان به من استقلاليّة القرار في مجال النفط والتجارة الخارجيّة، والنهوض الداخليّ، ومحاولات لمّ شمل العرب والسياسة الخارجيّة، آخرها – وليس نهايتها – الاتّفاق السعوديّ/ الإيرانيّ، برعاية الصين، وتفعيل عضويّة سوريا في الجامعة العربيّة..
هذا المسار، لو استمرّ بنفس الوتيرة والهدوء، سوف – بالتأكيد – يؤدّي إلى أشكال جديدة وعصريّة من التضامن العربيّ، يبدأ – ربّما – في مجالات الاقتصاد والمواصلات، وينتهي مسقبلًا بأشكال تتدافع نحو وحدة عربيّة شاملة على أسس مدنيّة عصريّة، تنهض بالإنسان وتضع العرب في المكان الذي يستحقّوه بين الأمم.
نعم، هناك أمل كبير في أن يعود العرب إلى رشدِهِم، في هذه اللحظة التاريخيّة المناسبة، ويبدأوا في التفكير ببناء مستقبل للأجيال القادمة التي – لو توفّرت لها الفرص في بلادها – لما ستكون بحاجة للتفكير بالهجرة والانتشار في كلّ أصقاع الأرض..
أليس من العار أن نرى أكثر من 50 مليونًا من العرب، ينشدون حياة مستقرّة خارج بلادهم الغنيّة بكلّ الموارد والخيرات؟! أليس من المؤسف أن نرى الكفاءات والخبرات العربيّة تسهم – بشكل فاعل وفعّال – في إدارة وتطوير بلاد العالم، بينما بلاد العرب ترزح تحت نير التخلُّف والفقر والجهل وقلّة الحيلة؟! أليس من المُخزي أن نرى العرب من اقتتال إلى اقتتال ومن عداوة إلى عداوة ومن انهيار إلى انهيار، وهم من أكثر الأمم عددًا وموارد وقدرات وروابط تمكنُّهم من الاستقرار والتوحُّد والنهوض؟!
هناك فسحة من الأمل كبيرة، في هذا الوقت، للَمّ الشمل والتضامن يجب أن تكون نتيجتها الأولى إنشاء سوق عربيّة مشتركة، كلبنة أولى في مداميك الاستقرار والنهوض وأشكال الوحدة.
لو سار عرب اليوم، وفي مقدِّمتهم وليّ عهد ملك المملكة العربيّة السعوديّة، في هذا الاتِّجاه – رغم ما يشوب بعض السياسات المتّبعة من شوائب – فنحن واثقون بأنّ جمال عبد الناصر، وكلّ القادة العروبيّين والشهداء، وفوقهم جميعًا الله ورسوله والصحابة والمؤمنون، سيباركون لهم ويرضون عنهم وعليهم ويغفِرون…

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى