هل ما تزال “الأرض بتتكلم عربي”؟
“المدارنت”
لعبت الأغاني الشعبية والثورية دورا جامعا مانعا في توحيد المواقف العربية شعبيا واجتماعيا وسياسيا، منذ قرن ونصف القرن، سواء في مصر أو سوريا أو العراق أو دول الخليج والمغرب العربي.
وأكثر من اهتم بها وبالفنانين واستغلها، كان الملك فاروق، ثم عززها الرئيس عبد الناصر، فالسادات، وليس انتهاء بحكم مبارك، ثم السيسي في مصر، وكذلك رؤساء سوريا منذ الاستقلال حتى حكم بشار الأسد.
كما ارتبط انجاز وتعزيز بث هذه الأغاني والأوبرتات في مؤسسات المخابرات في مصر وسوريا والعراق وليبيا وغيرها.
حدثني حياة المرحوم والدي، الذي شارك في حرب تشرين الأول /أكتوبر وأصيب بها، أنهم وهم يحاربون على جبهة الجولان، كانوا يركضون جماعات في اتجاه جبهة المعركة مع إسرائيل كالأسود، غير آبهين بقصف الطيران والمدفعية، وكان سماع أغنية «الأرض بتتكلم عربي» للشيخ سيد مكاوي، وحداء أغنية فيروز «خبطة قدمكم عالأرض هدارة.. إنتوا الأعزة وإنتوا للصدارة» تجعلهم ينتشون فخرا واقداما وسباقا نحو الذود عن الأرض، دون الالتفات لأي مخاوف أخرى.
سبب هذه المقدمة هو مشاهدتي مقابلة حديثة للإعلامي المصري توفيق عكاشة، وهو يطلق تعليقات مثيرة للجدل حول خطورة بعض الأغاني الشعبية وتأثيرها المدمر على المجتمع والشباب. مستحضرا أغنية «السح الدح امبو» لأحمد عدوية، التي أثارت جدلا كبيرا وواسعا، منذ انطلاقها، حيث اعتبرها البعض في ذلك الوقت تهديداً للذوق العام وخرجت حينها تصريحات رسمية تعتبرها خطراً على المجتمع المصري، بينما اعتبرها قطاع كبير من الجمهور ولادة جديدة للأغنية الشعبية وبداية شهرة عدوية الواسع.
وقارن عكاشة بينها وبين الأغاني الحالية، مشيراً إلى أن المجتمع قديماً واجه كلمات معينة بالانتقاد، بينما يتم التساهل الآن مع معانٍ تهدم العزيمة وتخير عزيمة الشباب.
وقد قارنها في أغنية «آه لو لعبت يا زهر» لأحمد شيبة، حيث شنّ عليها هجوماً حاداً عبر برنامجه، واصفاً إياها بأنها أغنية في غاية في الخطورة، لأنها تعزز ثقافة الكسل، وتدعو لانتظار «ضربة الحظ»، بدلاً من العمل والكفاح.
ذائقة الناس قد تغيّرت، لكن لا يبدو أن أحداً من القائمين على السياسة أو الإنتاج الفني قد انتبه إلى ضرورة تغيير العقلية أيضا.
تاريخ الموسيقى العربية غني بالأعمال الفنية الضخمة والأناشيد الحماسية، التي جسدت طموحات الشعوب نحو التضامن والوحدة العربية ونبذ الفوارق.
فما زلنا ننشد الأغنية الشهيرة «بلادي بلادي» لسيد درويش التي تُحيي في النفوس مشاعر الولاء والانتماء، وتبقى راسخة في الذاكرة كرمز للهوية الوطنية والقومية.
ومن أبرز الأوبريتات والأغاني الجماعية، التي خُلدت في الوجدان العربي: أوبريت «الوطن الأكبر» (1960)، هذه الفكرة التي صنعت الأغنية احتفاءً بالوحدة بين مصر وسوريا، تحت مظلة «الجمهورية العربية المتحدة».
وكان صُنّاع هذا العمل التاريخي هم الموسيقار محمد عبد الوهاب ألحانا، وكلمات الشاعر أحمد شفيق كامل، وتوزيع علي إسماعيل. وجمعت نخبة من عمالقة الطرب، مثل عبد الحليم حافظ، وشادية، وصباح، ووردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وفايدة كامل.
وكانت الرسالة حينها هي ترسيخ فكرة أن الوطن العربي من المحيط إلى الخليج هو وطن واحد يجمعه التاريخ والمصير المشترك.
ثم كان أوبريت «الحلم العربي» (1996 – 1998) لإعادة إحياء حلم الوحدة والتضامن بين الشعوب العربية في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وكان رؤية وإنتاج أحمد العريان، وكلمات مدحت العدل، وألحان صلاح الشرنوبي وحلمي بكر، وتوزيع حميد الشاعري. وشارك فيها 22 فنانًا وفنانة من مختلف الأقطار العربية (من بينهم: محمد عبده، نبيل شعيل، لطيفة، أصالة، أنوشكا، أحلام، مجد القاسم، وغيرهم).
وركز الأوبريت على الأمل والمستقبل، وحظي بانتشار هائل وتأثير شعبي عميق تزامنًا مع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.
أما أوبريت «الضمير العربي» (2008)فجاءت كجزء ثانٍ ومكمل لأوبريت «الحلم العربي»، ولكن بنبرة تحاكي الواقع والأوجاع السياسية.
وكان إخراج طارق العريان وإنتاج أحمد العريان. وضم أكثر من 30 فنانًا عربيًا من أجيال مختلفة مثل: وديع الصافي، هاني شاكر، لطيفة، الشاب خالد، شيرين عبد الوهاب، صابر الرباعي، ونانسي عجرم.
وركزت الكلمات بشكل مباشر على الأحداث المعاصرة، مثل غزو العراق، والوضع في قطاع غزة، موجهةً صرخة لصحوة الضمير الإنساني والسياسي للعرب.
ولا ننسى نشيد «موطني»، الذي جمع العرب كلهم في قصيدة كتبها الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان عام 1934، ولحّنها الأخوان فليفل. وتحولت القصيدة مع مرور السنين إلى نشيد قومي تتردد أصداؤه في أرجاء الوطن العربي للتعبير عن حب الأرض والحرية، واعتُمدت كنشيد وطني رسمي لجمهورية العراق.
وفي سوريا الجديدة انتشرت أغنية شعبية منذ سقوط الطاغية، بعنوان «لبت لبت»، فيها الكثير من الشعبية والاسفاف، ولا تصنف ضمن الفن، ولا أحد يعرف معناها ولمن توجه وما مناسبتها، وهي تفرق كثيرا ولا تجمع. حتى أن الرئيس الشرع استشهد بها ضاحكا.

وما يؤكد أن الذائقة الشعبية الراقية ما تزال جذوتها متجذرة هو الحفل الفني الكبير، الذي شهدته دمشق مؤخرا احتفاء بعودة أصالة، ونسبة وتنوع الحضور دليل كبير على أهمية الأغنية في هذا التوقيت خاصة إذا كان مضمونها جمع الناس لا تفرقتهم وتعزيز المواطنة لا تطييفها.
أليس من أبسط قواعد العدل الفني في سوريا الآن مثلا الاحتفاء بتكريم من غنى للثورة والثوار، وكان صوتهم الصارخ والجامع منذ اليوم الأول، وأقصد الفنان الوطني الكبير سميح شقير، الذي كانت أغنيته «يا حيف» هي شعار الثورة كلها وحداؤها. بينما هو يعيش في الخارج ولم تتم دعوته الى بلده؟ سؤال كبير تأخرت الإجابة عليه كثيرا ويفتح المواجع والمظالم على مصارعها!
وحال الفن الغنائي الوطني العراقي ليس أفضل، فالمكتبة تزخر بالعديد من الأغاني والأناشيد الوطنية التي تعبر عن حب الوطن، والاعتزاز بالتراث، والانتصارات، مثل أغنية «حبنا الأكبر» ثنائي وطني للفنانين قيس هشام وأحمد المصلاوي. وأغنية «اليوم يومك يا عراقي» للفنان حسام الرسام. وأغنية «سور الوطن» للفنان حمزة المحمداوي الخاصة بأعياد الجيش العراقي. والأغنية الحديثة «عاش العراق» (عراقي وراسي عالي) للفنانة رحمة رياض التي أُصدرت بمناسبة اليوم الوطني العراقي.
وما زلنا نذكر الأغاني الوطنية والأناشيد الحماسية الجزائرية، مثل «نوفمبر الوفا»، و»اعصفي يا سماء» و»يا بيضاء»، إضافة الى روائع رابح درياسة التي يحفظها العرب المشارقة.
نحن في حاجة إلى جرس من حين الى آخر يوقظ فينا المشاعر الفنية، التي دفنت على جراحنا، لكننا نحتاج الآن تحديدا إلى شكل فني لائق، كما في الأيام القديمة والزمن الأجمل.
نحتاج إلى أعمال فنية حديثة وليس مجرد اجترار أعمال أخرى، تعكس الأحاسيس والمشاعر العامة للشعب تجاه قضاياه ومشكلاته، وتوحد الصفوف وتساعد على توحيد الجهود بين الأفراد في مواقفهم تجاه الوطن.
ما أحوجنا الى تعزيز الهوية الثقافية التي تساهم في المحافظة على التراث الثقافي والهوية العربية، كما تربط الأجيال المختلفة بإرثهم الثقافي.
الأغاني الوطنية تستخدم هنا كأداة لتحفيز الروح الوطنية والانتماء، خاصةً في المناسبات الوطنية والاحتفالات.
ولا ننسى أنها وثيقة تاريخية تمثل أحداثًا سياسية واجتماعية مهمة، مما يجعلها حقائق تعكس مرحلة معينة من النضال أو النجاح.
كما أن هذه الأغاني تساهم في تحفيز الشعور الجماعي وتعبئة الشعب نحو العمل من أجل تحقيق الأهداف والمطالب الوطنية.
نحن بحاجة لضمير فني عام وأخلاق وطنية تجمع ولا تفرق، تطرب ولا تبتذل، وهناك في الساحة الكثير قادرون على انجاز هذا وتحويل هذا الحلم الى الحقيقة.



