مقالات

هل‎ ما يزال العرب يتمسّكون بفلسطين؟

علي بكر الحسيني/ ألمانيا

خاص “المدارنت”
‏‎فلسطين والبعد القومي العربي
في ضوء الدعم التاريخي والتحديات المعاصرة‏

في ظل تصاعد الجدل حول موقف الشعوب العربية من القضية الفلسطينية، لا يمكن النظر إلى الموقف العربي من دون الإضاءة على تاريخ وعمق الدعم الذي سطرّه كبار القادة والمفكرين العرب، الذين جعلوا من فلسطين مركزاً لقضيتهم القومية والإنسانية.

‏‎فلسطين في الوجدان العربي أكثر من قضية سياسية
‏‎لطالما كانت فلسطين في قلب الفكر العربي، تتجلى في هويته وتراثه، وفي وجدان وذاكرة أجياله جميعاً، لم تكن مجرد قطعة أرض أو نزاع حدودي، بل كانت رمزًا للكرامة والعدل، والإحتجاج ضد الظلم.
وفي هذا الإطار، قال الرئيس (الراحل) جمال عبد الناصر، أثناء زيارته الى غزة في العام 1956: “إن ‎“نظرتي إلى غزة هي نظرتي إلى مصر، وما يصيب غزة يصيب مصر، وما يوجه إلى غزة يوجه إلى مصر”.
أضاف مخاطباً الفدائيين الفلسطينيين: “‎إن الجيش الفلسطينى بالنسبة لي كالجيش المصري سواءً بسواء؛ كلكم يا جنود الجيش الفلسطيني – وكذلك زملاؤكم جنود الجيش المصري – جنود في جيش العروبة الكبير، ‎إني واثق بأن الجيش الفلسطيني سوف يثبت جدارته. إني أريدكم أن تعرفوا أن كل ما قيل من أن أهل فلسطين لم يحسنوا الدفاع عن وطنهم كلام قصد به الخداع والتضليل؛ لقد جربتكم بنفسي، وأنا أعرف أكثر من غيري حقيقتكميي”
وتابع: “
‎إن الذين قاتلوا منكم معي قاتلوا بشرف، والذين ماتوا منكم أمامي ماتوا بشرف، كذلك عرفت أهل فلسطين بنفسي ورأيتهم بعيني، وليس ذنبهم أنه لم يكن في أيديهم سلاح، وكانت أيدي أعدائهم مليئة به. لقد انتهى ذلك كله الآن، لقد أصبح السلاح في أيديكم، وأنا واثق أن الجيش الفلسطيني سيكتب ‎باسم فلسطين صفحة مجيدة في التاريخ”.
‏‎لقد عَرف عبد الناصر، أن فلسطين قلب القومية العربية، فجعل منها اختباراً لمصداقية العروبة والكرامة، مؤكدًا أن دعم فلسطين واجب عربي لا يتجزأ رغم كل التحديات السياسية.
‏‎أصوات بعض القادة الفكريين: الأتاسي، الحصري، الجابري..
د. جمال الأتاسي، رمز من رموز القومية العربية، تحدث عن فلسطين بإعتبارها “القضية المحورية التي تحدد وحدة العرب وكرامتهم”، مشددًا على أن “تحرير فلسطين شرط أساسي لوحدة الوطن العربي الحقيقي”.
ساطع الحصري، المفكر القومي والرائد في التأصيل للفكرة القومية‏‎، ذهب أبعد من ذلك، وأكد أن فلسطين، هي إختبار مصداقية العروبة، وأن غياب الوحدة العربية هو السبب في تأخر تحريرها”، داعياً إلى “تجديد الوعي القومي وتجميع الجهود الوطنية والإقليمية”.
‏‎أما الفيلسوف محمد عابد الجابري: فقد وصف القضية الفلسطينية بأنها “النداء الأخلاقي والوجودي للعرب”، لافتا الى أن “الفشل في الدفاع عنها يعكس هشاشة المشروع القومي العربي”، داعياً إلى “تجديد الفكر القومي ليشمل المشروع التحرري لفلسطين كركيزة أساسية”.

‏‎التحديات المعاصرة بين الواقع السياسي والصوت الشعبي
‏‎لا بد من الإعتراف بأن التحديات السياسية داخل بعض الدول العربية، من قيود أمنية وقيود سياسية وحالة إقتصادية مرتبطة بالمعيشة، أثرت على حجم الحراك الشعبي، بل وصلت لحال القمع أحياناً، لكن ذلك لم يكن دليلاً على تخلٍ أو هجران للقضية من قبل الشعوب العربية، بالرغم من كل الصعوبات، فهذه الشعوب عبّرت عن تضامنها بوسائل متعددة، وإن كانت لا ترقى الى المستوى المطلوب مؤخراً.
‏‎إن الفارق بين ميدان التظاهر في الدول العربية وبعض العواصم الغربية، لا يعني تفريطاً بقضية فلسطين، بل يعكس واقعًا داخليًا معقدًا وأحيانًا قمعًا، لكنه لم يُطفئ شعلة الإنتماء لفلسطين التي يوقظها كل نضال من أجل الحرية والسلام.

‏‎البُعد القومي والإنساني في دعم فلسطين 
‏‎القضية الفلسطينية، ليست مسألة خاصة بعرق أو وطن فقط، بل أصبحت اليوم مأساة إنسانية عالمية، والدعم العربي للقضية كان دائمًا داعماً للفلسطينيين، لكنه اليوم بحاجة إلى تجديد الروح القومية بإبتكار وسائل ضغط أقوى وأنجع .

فلسطين تجربة الأمة وضميرها
‏‎تُثبت الكلمات والتجارب التاريخية، التي عبر عنها جمال عبد الناصر، وجمال الأتاسي، وساطع الحصري، ومحمد عابد الجابري، وآخرين، أن فلسطين كانت دائماً وستبقى في صلب العروبة وصميم الهم القومي، رغم التجاذبات والانقسامات، وستبقى فلسطين الإمتحان الأصعب للكرامة العربية، والنبراس الذي يعيد للأمة هويتها الحقيقية عبر التضامن والعمل الجماعي الصادق.
وعليه، فإن فلسطين ليست فقط قضية شعب، بل هي بوصلة الأمة وأملها في الوحدة والسلام والحرية، وإن الحراك العالمي الذي يشهد تظاهرات غير عربية، تدين العدوان على غزة، يؤكد شرعية وعلو هذه القضية فوق الحدود، وهذا ما يحضّ العرب على إعادة اكتشاف جوهر مشروعهم القومي المعاصر الذي لا يكتمل إلا بفلسطين.

العواقب الوخيمة لتصفية القضية الفلسطينية وضرورة التحرك العربي الموحد
إن تصفية القضية الفلسطينية، لن تكون مجرد حدث سياسي عابر، بل كارثة استراتيجية وإنسانية تهدد الفلسطينيين، أولًا، والعرب جميعًا، ثانيًا. بالنسبة للفلسطينيين، فإن التصفية تعني اقتلاع الإنسان من أرضه، ومحو هويته الوطنية، ودفن حق العودة، وتحويله إلى لاجئ أبدي محروم من أبسط مقومات الحياة الكريمة. سيُغلق باب الأمل أمام الأجيال القادمة، وستتفتت الروابط الوطنية والاجتماعية تحت وطأة القهر والتهجير.
أما على المستوى العربي، فإن السكوت عن تصفية فلسطين، هو قبول ضمني بتفكيك ما تبقى من وحدة الصف، وفتح الأبواب أمام القوى الإقليمية والدولية لتجزئة العالم العربي، وإخضاعه للإبتزاز السياسي والإقتصادي. عندها لن يبقى من العروبة سوى ذكرى باهتة، وسنجد أنفسنا نردد بحسرة المثل المرير: “أُكلتُ يوم أُكل الثور الأحمر”.
إن إنقاذ فلسطين، اليوم، ليس ترفًا ولا إحسانًا، بل هو واجب وجودي ومعركة كرامة تحدد مصير الأمة بأكملها. ولا بد من صياغة مشروع عربي موحد، سياسيًا وشعبيًا وإعلاميًا، يستند إلى قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق العودة والتعويض للاجئين.
لقد حملت الأمة العربية فلسطين في قلبها منذ فجر النضال القومي، ودفع رجالها ونساؤها الدم والروح دفاعًا عنها، من ميادين الثورة في الثلاثينيات إلى معارك الكرامة والبطولة في كل عقد من تاريخنا.
واليوم، يقف العرب أمام اختبار أخطر من أي وقت مضى، إما أن نصون العهد الذي قطعه الشهداء والمقاومون، فننهض جميعًا للدفاع عن فلسطين، أو نتركها فريسة للتصفية، فنخسر معها آخر معاقل كرامتنا ووحدتنا. إن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، والأجيال القادمة لن تغفر لمن باعوا أو صمتوا. فلتكن فلسطين اليوم من جديد، لا شعارًا يُرفع، بل مشروعاً تحررياً عربياً جامعاً ، يوحّد الصفوف ويستنهض الإرادة، حتى نكتب جميعًا، كما كتب أجدادنا، أننا اخترنا طريق الكرامة مهما كلف الثمن، فيا أبناء أمتنا العربية إنهضوا وإنزلوا للميادين، ولتصدح حناجركم “لبيك يا فلسطين”، لتبقى رايتها شعلة تنير درب كل العرب وأحرار العالـم.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى