هل يستطيع ترامب وقف الحرب الروسية-الأوكرانية؟
“المدارنت”
تترقّب دول العالم، نتائج لقاء القمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في أقصى شمال الحدود التي تربط بين البلدين، لمعرفة إن كان الصراع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية سيتوقف نهائيا، أم أن الأمر سيكون نقلة عبثية في «اللعبة الكبرى» الدائرة بين القوى العظمى في أوكرانيا، كما في مناطق أخرى في العالم.
اختار الزعيمان اللقاء في القطب الشمالي الذي يشهد صراعا بين البلدين، وذلك في قاعدة المندورف ـ ريتشاردسون الجوية، التي تبعد عدة كيلومترات عن الأراضي الروسية، في لمحة رمزية إلى أن هذه المنطقة من العالم، التي كانت جزءا من الإمبراطورية الروسية قبل أكثر من 150 عاما، ولا زال فيها جالية روسية ومجتمع من السكان الأصليين، قد تكون المنطلق لاتفاق سلام بين أوكرانيا وروسيا بشكل يعيد تشكيل المعادلات الدولية.
في شرحه لشخصية الرئيس الأمريكي يقول أرون ميلر، وهو كان مستشار 6 إدارات جمهورية وديمقراطية شارك في ملفات غزة وإيران وغيرها، إن دونالد ترامب «لديه غرائز استراتيجية» لكنه «يتأثر جدا باللحظة، بالسياسة الداخلية، بمصالحه المالية، بأنانيته، بغروره، وبأهوائه وأمزجته»، وهو ما تعبّر عنه، خير تعبير، تصريحاته الماضية عن قدرته على إنهاء الحرب في غضون 24 ساعة من عودته إلى «البيت الأبيض»، وهو تصريح انتهى، حسب آخر لقاء لترامب مع الصحافيين في «البيت الأبيض»، الخميس الماضي، بقوله: «أنا رئيس لن يعبث معي. سأعلم خلال الدقيقتين الأوليين أو الثلاث أو الأربع أو الخمس الأولى ما إذا سيكون اجتماعنا جيدا أم سيئا»!
والحقيقة أن «الغريزة الاستراتيجية» لترامب قد نجحت في تغيير المعادلات في أكثر من موقع توتّر في العالم، كما حصل برعايته توقيع اتفاق إطار سلام بين رئيس أذربيجان، إلهام علييف، ورئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، في مقره الرئاسي، وذلك بعد نزاع استمر لعقود.
وكما حصل في الملف الأوكراني، حين أجبر الرئيس فولوديمير زيلينسكي على توقيع اتفاق معادن نادرة لصالح الولايات المتحدة، فإن الاتفاق الأذري ـ الأرميني ترافق مع تهديدات بعقوبات اقتصادية وانتهى بترتيبات اقتصادية وأمنية تمنح أمريكا حقوق تطوير حصرية لما سماه «مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي» وهو ممر استراتيجي في جنوب القوقاز، في منطقة تتقاطع فيها مصالح روسيا وإيران وتركيا وأوروبا، وهو أمر أثار قلق روسيا كونه يسهم في إضعاف نفوذها السابق على البلدين، كما أنه أثار قلق إيران من تصاعد النفوذ الأمريكي، كما من التقارب الكبير بين أذربيجان وإسرائيل.
تمكن ترامب قبلها بشهر تقريبا، بوساطة من دولة قطر، من إعلان اتفاق سلام بين رواندا وجمهورية الكونغو، منهيا فصلا من آخر النزاعات والحروب في أفريقيا، أودى بآلاف الأشخاص، وكان هناك في خلفية النزاع موضوع اقتصادي أيضا، حيث سيطرت قوة متمردة من التوتسي مدعومة من رواندا على شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغني بالمعادن واستولت على مساحات شاسعة، كما تبعها منح أمريكا حقوق تعدين في الكونغو الديمقراطية!

تمكّن ترامب أيضا، مستخدما النفوذ السياسي الكبير لبلاده وكذلك تهديداته برفع الرسوم الجمركية، من وقف اشتباكات اندلعت مؤخرا بين تايلندا، حليفة واشنطن، وكمبوديا، القريبة من الصين، بعد نزاع حدودي يعود الى الحقبة الاستعمارية، غير أن ضغط ترامب الذي أوقف إطلاق النار بين البلدين لا يعني أن أسباب اندلاع المعارك قد زالت، أو أن «لعبة الأمم» قد توقفت.
تشير الوقائع الآنفة جميعها، إلى نمط تفكير مستمر لدى ترامب تؤدي فيه اتفاقيات السلام إلى مصالح استراتيجية، سياسية واقتصادية لبلاده، كما ترفع أسهمه الشخصية وطموحه لنيل «نوبل للسلام» (كانت كمبوديا، بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع تايلندا، آخر الجهات التي ترشحه لهذه الجائزة!) مع ملاحظة شديدة الأهمية، وهي الفشل الفادح في وقف الإبادة الجماعية الجارية في غزة، والتواطؤ الواضح مع بنيامين نتنياهو، وحكومة إرهاب الدولة الإسرائيلية، في كل ما تفعله.



