مقالات

وجهان لكرة القدم البرازيلية!

 

 

 

 

حسين أبو علي وارسو / بولندا

//خاص المدارنت//… قبل أن ينقسم الشعب اللبناني العريق ما بين مناصرة البرازيل أو عدمه في نهائيات المونديال أو في الأولمبياد أو في نهائيات الكوبّا أميركا وغيرها، عليه أن يقرأ ولو قليلاً، ليعرف كيف لعبت كرة القدم أدوارها في حياة البرازيليين، وما شكّلته من مشكلات في مراحل عدّة، وكيف تمّ استغلالها سلبيّاً أو إيجابيّاً في تضليل أو تشكيل الوعي السياسي في المجتمع البرازيلي.

كانت الكرة البرازيليّة قد حقّقت أولى نجاحاتها، مع الفوز في بطولة كأس العالم في السويد في العام 1958، وترافق هذا مع بزوغ نجم أسطورة الكرة البرازيلية “بيليه”.

كانت البرازيل حينها من الدول الفقيرة، التي بدأت أولى خطواتها للخروج من تحت النير الأميركي والسيطرة المباشرة للولايات المتحدة، والاتجاه في المنحى اليساري إنصافاً للعمّال والفقراء، في محاولة لتحقيق بعض من العدالة الإجتماعيّة المفقودة منذ أزمنة الإستعمار والعبوديّة.

وكان فوز الرئيس اليساري جولارت في العام 1962، مؤشراً خطيراً على ذهاب البرازيل في هذا المنحى، ممّا دعا الولايات المتحدّة الى التحرّك ضدّه ومحاربته، وإتهامّه بأخذ البرازيل إلى اللحاق بالمعسكر الشيوعي، فكانت العقوبات الإقتصاديّة وسياسات المقاطعة غير المباشرة، عبر المصارف والشركات الأميركيّة، لتأليب الناس ضدّه، وبعدها أتى التدخّل المباشر عبر تحالف العسكر مع الكنيسة ورجال المال، في إيصال البرازيل إلى الحكم العسكري المباشر، مع إنقلاب الجنرال كاستيلو برانكو في العام  1964.

لكن الإنقلاب العسكري، ووجه بمعارضة شعبية واسعة، قادها اليسار والحركات الطلابيّة التي إستدعت المزيد من القمع المباشر، عبر تقييد العسكر للحرّيات، وغير المباشر، عبر القتل عن طريق فرق الموت “إسكوادرا دي مورتي”، التي قامت بإختطاف وقتل وإخفاء قادة الحراك اليساري، بإشراف مباشر من الحكم العسكري، بالتعاون مع الكنيسة والإعلام الممسوك والمموّل من رجال المال والأعمال.

وبالعودة إلى كرة القدم. كان لا بدّ لتثبيت الحكم العسكري، من إيجاد ملهاة للفقراء بعد الربّ والدّين، لإشغالهم عن مصيرهم المظلم وقمع حرياتهم، والمطالبة بلقمة عيشهم، وإعطائهم وهماً ولو كان حقيقياً، بأنّهم أسياد الكرة العالميّة، وأنّ هدفهم الأسمى بل ربّما الوحيد، بات تكرار التربّع مجدّداً على العرش الكروي للعالم، ولو على حساب الخبز.

وليس من الغريب، أن نرى أن مشروع النهوض الإقتصادي للعسكر في فترة الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، أو ما سمّي “بالمعجزة البرازيليّة”، فقد تمّ تشييد أربعة ملاعب لكرة القدم، مقابل كلّ مدرسة أو مستشفى أو مصنع مجتمعةً. وكان الشغف الكروي ينمو ويترعرع أكثر، مترافقاً مع وصول قادة عسكريّين أكثر تشدّداً وراديكاليّة ممن سبقهم، أمثال الجنرال آرثور إي سيلڤا، ومن بعده الجنرال إيميليو ميديتشي، الذي إحتفل مع بيليه ورفاقه بالتتويج الثالث على العرش الكروي في العام 1970، وسط نشوة وتخدير مطلق للشعب البرازيلي، الذي كانت تقبع غالبيته تحت خطّ الفقر، وتقطن في عشوائيات “الفافيلا” المكتظّة والضيّقة، وسط سيطرة العسكر والكنيسة والمال والشركات الأجنبيّة، على مجمل أراضي البرازيل الشاسعة ومقدراتها الإقتصاديّة الهائلة.

كانت نشوة الفوز الكروي تخدّر الشعب البرازيلي وأفقدته إحساسه بجوعه وخواء أمعائه، وأعمت عيونه عن رؤية إنهيار إقتصاد بلاده، وتكبّل عقله عن إمكانيّة تحديد سارقيه، وأصمّت أذانه عن سماع أنين وصراخ الناشطة اليساريّة ورئيسة البرازيل لاحقاً ديلما روسيف، التي كانت تتعرّض للتعذيب بالماء والكهرباء في أقبية عسكر ميديتشي.

نعم، لقد إستعمل الحكم العسكري في البرازيل الفوتبول كما الدّين، كأفيون لتخدير شعبه الباحث عن كرامته ومكانته بين الشعوب، وكملهاةٍ له عن قضاياه وفقره، ومحاولة وقف سرقة ثرواته، وإستعادة حريّته المخطوفة لسنين طويلة.

ولكن وللإنصاف، لا يمكن أن يتحدّث أحد عن الكرة البرازيلية، من دون الحديث عن وجهٍ من وجوهها المشرقة، عن فيلسوفها وطبيب فقرائها ولاعبها الثائر سقراط،”Socrates de Oliveira”، الذي جعل من لعبة الكرة منبراً لمحاربة الديكتاتورية، وباباً لدخول بيوت الفقراء، ومدخلاً الى تنوير عقولهم، كما مرتعاً آمناً يحميهم من سطوة وملاحقة العسكر.

نعم، لقد أيقن الطبيب والفيلسوف سقراط خطّة العسكر الهجوميّة، وأتقن لعبتهم الكرويّة، وحاول بتسريحة شعره ولحيته الغيفارية، أن يفتح كوّةً في جدار العسكر، بتسديده نحو مرمى الحرية وبكعب قدمه، أن يمرّر مع كراته بعض التنوير والحقيقة الى جماهير فقيرة، تجد  ضالّتها وترى هدفها في أقدام لاعبيها، وتكوّر أحلامها كرةً تتقاذفها أحذية منتخبها الوطني، مع الأعداء الغرباء على ملاعب المسكونة.

أختم كلامي بالتحيّة الى روح سقراط، الذي وضع لحياته الكروية هدفاً أسمى من تحقيق أعلى قيمة ترانسفير، وجعل من مهنة الطبيب فلسفة حياة عمليّة، جيّرها كما مثاله تشي غيڤارا في حبّ ومساعدة الفقراء.

وتحيّة كذلك الى الرئيسة ديلما روستيف، والرئيس الأسبق لولا دا سيلڤا، اللذان يواجهان بمحاكمتهما وفي الشارع، كما واجها من سجنهما سابقاً عودة الديكتاتورية إلى حكم البرازيل، وعودة سلطة العسكر، عبر الفاشية المتصهينة والرأسمالية المتوحشة، المتمثلة بالتابع الترامبي جايير بولسونارو.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى