وحدة النضال الفلسطيني ووحدة قيادته

“المدارنت”
كتبت في مقال الأسبوع الماضي، أنني أعتقد بأن تأجيل الانتخابات الفلسطينية كان نتيجة ضغوط أمريكية على جهات كثيرة، وذلك من أجل كسب مزيد من الوقت لإتمام مكونات وضرورات المشروع الأمريكي ـ الصهيوني لتقليص الوجود الوطني الفلسطيني في كل بقاع فلسطين المحتلة، وللانتقال لتنفيذ المشروع اليهودي التوراتي بإقامة ما يسمى «إسرائيل الكبرى».
وبينّت أن الرد الفاعل المقاوم على هذه المؤامرة الجديدة هو بناء الجبهة الوطنية الفلسطينية الموحدة فكرياً واستراتيجياً ونضالياً، الممثلة لكل فلسطيني، مقاومة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ولتحرّر شعب فلسطين وأرض فلسطين من محنة عبودية الاحتلال الصهيوني الاستيطاني.
ومن البداية أعيب على إخوتنا الفلسطينيين في كل الفصائل، من دون استثناء فشل كل جهودهم ومحاولاتهم لتكوين تلك القيادة الموحدة طيلة الثمانين سنة الماضية من الاحتلال والاستعباد والنهب المتنامي الممنهج، لأرض وخيرات ومياه أرض فلسطين التاريخية، ما جعل مقاومة الكيان الصهيوني عملية مجزّأة ومنقسمة فكرياً ونضالياً ومرتكبة للأخطاء الكثيرة، وعلى رأسها خطأ الدخول في مشروع أوسلو الفاشل، الذي قَبِلَ عبر حوالي خمسين سنة بإبقاء مصير الشعب الفلسطيني ووطنه وحقوقه في يد الصهيونية الأمريكية الاستعمارية والكيان الصهيوني ومسانديهما، بعيداً بصورة شبه كلية عن الجهات العربية والإسلامية والدولية والحقوقية والمؤسساتي التي تمثلها جميعها.
وهكذا بقيت أقدس قضية حقوقية إنسانية منذ منتصف القرن الماضي وإلى يومنا هذا، إما في يد استعماريين مجرمين بلا ضمير ولا قيم من جهة وإما في يد أصحاب القضية، ولكن الخائفين أو المترددين المرتبط بعضهم بجهات ليست معنية ولا ملتزمة لا قومياً ولا إسلامياً ولا أخلاقياً. وبالتالي آن أن تخرج من قضية يتلاعب بها يميناً وشمالاً، إلى قضية كفاح ومقاومة وتحرير والتزام نضالي. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا عادت القضية إلى أصحابها، من خلال تحقيق سريع لبعضٍ مما يلي:
أولاً: عقد اجتماع في مكان مناسب لممثلين عن جميع المنظمات والأحزاب والجمعيات السياسية الناشطة في المجتمعات والتجمعات الفلسطينية المدنية الراغبة في الحضور، والإعلان بالاجماع عن البدء بتكوين جبهة موحدة نضالية شعبية ديمقراطية تنسيقية فلسطينية على أن تكون الخطوة الأولى تكوين لجنة من كبار مفكري ومثقفي ومناضلي وقادة الشعب الفلسطيني، المشهود لهم بالرزانة ونظافة الذمة، أينما يوجدون، لتقوم بوضع مشروع ميثاق لأهداف واستراتيجية وطريقة عمل الجبهة، بكل ما تراه ضرورياً أن تشمله صيغة الميثاق والاستراتيجية المبدئية من أسس فكرية وأساليب عمل.
ثانياً: تضع هذه اللجنة أيضاً تفاصيل مقترح من قبلها بشأن إجراء انتخاب من قبل كل الشعب الفلسطيني للجنة تأسيسية من ألف شخص أو أكثر، على أن تكون مهمة هذه اللجنة المنتخبة مناقشة مشروع الميثاق والاستراتيجية وإقراره في صيغته النهائية.

ثالثاً: بعد ذلك يترك أمر تنظيم وعمل وتمدد تلك الجبهة التأسيسية النضالية الشعبية الديمقراطية الفلسطينية، بالنسبة لعلاقاتها بأدوارها وتكويناتها وطرق تمثيلها لإرادة الشعب الفلسطيني، يترك ذلك لأعضاء اللجنة التأسيسية ليدرسوها وليعملوا، مع جهات فلسطينية كثيرة، لتحقيق الهدف الرئيسي من كل ذلك وهو: وجود قيادة نضالية واحدة للشعب الفلسطيني لمقاومة المشروع الصهيوني، ودحر احتلاله وقيام دولة فلسطين الواحدة الديمقراطية العربية.
إن شعب فلسطين العربي العظيم، الذي قدم أعداداً هائلة من الضحايا في سبيل دحر المشروع الصهيوني الاستيطاني، يستحق أن يخرج من دائرة الانقسامات والخلافات والتجزئة، وأن تكون له الكلمة العليا في المسيرة الفلسطينية، مدعوماً بصورة كلية مستمرة من قبل إخوته من الشعوب العربية والإسلامية والشعوب المحبة للعدالة والمساواة الإنسانية لكل الشعوب وفي مقدمتهم شعب فلسطين.
إن وحدة القيادة الفلسطينية ونضال شعبها سيكون مسماراً في نعش حركة التطبيع التي، بقصد أو من دون قصد، فضلت مدّ اليد للمجرم الآثم الصهيوني على حساب مدها لتكون ضمّة محبة ودعم والتزام أخلاقي إنساني للضحية الفلسطينية المغدورة.
وما قدم من تصور للخطوة الأولى، ليس إلا واحداً من بين عشرات التصورات الممكنة. ويأمل الإنسان أن تتقدم القرائح العربية المحبة لفلسطين وشعبها بتصورات أخرى، كجزء من التزاماتنا العروبية القومية والأخوة الإسلامية والإنسانية.



