مقالات

وطنية الاتراك الزائدة ووطنيتنا الناقصة

خاص المدارنت”..

د. جميل علي حمّود/ لبنان

هناك مقولة معروفة وشائعة في الاقتصاد تقول: إن النقد ثقة. بالطبع، فلو عدنا الى اساسيات علم الإقتصاد، لتبين لنا ان العملة الوطنية لايّ بلد ما ليست الا اوراق، لا تختلف عن ايّ اوراق اخرى، لولا اعتراف الدولة بقيمتها، والتزامها بحماية هذه القيمة والحفاظ عليها. وليكتمل معنى مقولة النقد ثقة، نضيف هنا ان الثقة هذه تقوم اساسا وأولاً وآخراً على مصداقية الدولة وشفافيتها في ادارة الشأن العام عموماً، وفي ادارة الشأن الاقتصادي خصوصاً، والمقصود بمفهوم الدولة هنا هو منظومة ادارة شؤون المجتمع، بكافة تفرعاتها وامتداداتها المباشرة وغير المباشرة.

ترتفع ثقة الشعب والمجتمع بالدولة، عندما يلمس الناس مصداقية المسؤول في تحمل مسؤوليته، وتغليبه الصالح العام على الخاص. وهذا ما يزيد من منسوب وطنية ومواطنية الفرد والجماعة في المجتمع الوطني او القومي، مما يؤسّس لحد ادنى من الايجابية في علاقة الدولة بالمواطن.

إيجابية علاقة الدولة بالمواطن، تجلّت في صورة واضحة ومشرقة منذ زمن ليس ببعيد، عندما اشتدت حدة الازمة بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، مما ادى انذاك الى انخفاض كبير وسريع في قيمة الليرة التركية. فاطلق المسؤولون الاتراك، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية رجب طيب اردوغان، نداء الى مواطنيهم للمساهمة في حلّ أزمة انخفاض قيمة العملة الوطنية. وسرعان ما تحوذل النداء الى حملة شعبية وطنية واسعة الانتشار والنطاق، تعمل على دعم العملة الوطنية. ووصل الامر بالاتراك الى حدّ رفض التعامل بأيّ عملة اجنبية، مما ساهم فعلا في دعم الليرة التركية، وتخفيف حدة تداعيات الازمة.

تحوّل دعم الشعب التركي لعملته الى رصيد، تستفيد منه الدولة التركية في مواجهة ازمة صعبة. وما كان هذا الدعم ليحصل، ولا هذا الرصيد ليبنى، لولا وجود حدّ ادنى من العلاقة الايجابية بين الدولة ومواطنيها، التي تُرجِمت ثقة بالدولة، وسمحت للمسؤول ان يطلب العون من المواطن.

ها نحن اليوم في لبنان نواجه ازمة مشابهة. وقد يطلق احد للمسؤولين تصريحا يطلب فيه العون من المواطن. فلماذا لا يهبّ اللبنانيون، وهم المعروفون بنرجسيّتهم اللبنانية، الى تلبية النداء، ودعم الدولة في مواجهة الازمة المالية التي بدأت تداعياتها تنتشر؟ لماذا لا نري الاتراك اننا اقوى انتماءًا واشد وطنية منهم؟ لانه لا يوجد ايذ حد ادنى من العلاقة الايجابية بيننا وبين دولتنا. وبالتالي، لا ثقة عندنا لا بدولة ولا بمسؤول، ولا بمنظومة حكم، ولا بسلطة، ولا باحزاب ولا بأيّ شيء.

فلا ثقة بدولة تتعايش مع دويلة اقوى منها، وتشكل امتدادا لمشروع نفوذ خارجي باعترافها. فالدولة تفقد شرعيتها عندما تسلم خياراتها المصيرية، بما في ذلك قرار السلم والحرب الى حزب طائفي، جاهز في لحظة لإلباس ثوب الخيانة لكل من يعارض اجندته.

ولا ثقة بدولة تطالب المواطن بتضحيات، فيما اركانها واهل السلطة فيها، غارفون في اثرائهم اللامشروع، وابراجهم العاجية وقصورهم الخيالية. و لا ثقة بدولة اصبح الفساد فيها هو القاعدة، التي تتلاقى فيها مصالح اهل العقد والحلّ، مهما تباينت واختلفت توجهاتهم السياسية. و لا ثقة بدولة تسمّي نفسها عهدا قويا، فيما يتنصّل رأسها من مسؤوليته، فيقول لنا: “كنت في نيويورك ولا اعلم ما يجري”.

و لا ثقة بدولة تهددنا يوميا بصعوبة الازمة، وتضعنا بين خياريّ التضحية بقوت يومنا او الانهيار.
ولا ثقة بدولة، تبرّر فشلها بالمؤامرة الكونية الإمبريالية الصهيونية. فرواية المؤامرة والعدو الصهيوني استعارة باتت مكشوفة من كتاب عفى عليه الزمن، كتبه ديكاتوريو العرب في ستينيات القرن الماضي.

ولا ثقة بدولة، فيها من هم مورطون يتجارة التهريب الى البلدان المجاورة، ومن هم غارقون الى أذانهم في استغلال املاكنا البحرية والنهرية، ومن هم ملوثون لهوائنا و مائنا، ومن هم متهربون من دفع الضرائب و .. و ..و ..
النقد ثقة، والثقة مفقودة.. فسلامنا على النقد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى