.. وما لجرح بميّت إيلام!

خاص “المدارنت”..
يتسابق الوسطان السياسي والإعلامي هذه الأيام على تحليل نتائج وتأثيرات المصالحة الإيرانية السعوديّة على الواقع السياسيّ في لبنان، وهم في ذلك ينطلقون من تجربة تاريخيّة بأنّ ذلك الواقع محكوم بتدخّلات الخارج ومشاريعه، والتجارب الماضية في تاريخنا تؤكّد صوابيّة هذا الأمر.
ومعلوم أنّ الواقع في لبنان، هو واقع يسوده الفساد وتخترقه الأزمات حتّى أعماقه، فتشلّ دولته ، وتعطّل مؤسساته، وتجعل من أوضاع أهله الحياتيّة جحيما” لا يطاق.
ولعلّ أبرز تجلّيات هذا الواقع هو الفراغ في سدّة الرئاسة الأولى، وما يخلّفه من شلل وتعطيل في العمل التشريعيّ والحكوميّ.
إنّ هذا الفشل الذريع في تشكيل السلطة وتفعيل دورها، إنّما يعود الى غياب الحسّ الوطنيّ لدى بعض غير قليل من السياسيين، وإلى هيمنة المصالح الفرديّة والفئويّة عندهم، وإلى انخراط بعضهم في مشاريع الخارج ومخططاته؛ أمّا الذين يرفعون شعار الوطن وسيادة الدولة وتحريرها من الفاسدين وأصحاب المشاريع المشبوهة، فلا يَعْدون كونهم مجرّد ظاهرة صوتيّة محدودة الفعالية في أيّ تغيير منشود.
إنّ أولى خصائص الدولة هي السيادة واستقلالية القرار الذاتيّ؛ أمّا عندما تكون هذه السيادة مفتقدة نتيجة تدخّلات الخارج وانخراط بعضهم في خدمة مشاريعه ؛ حينئذِ نكون أمام حقيقة ثابتة لا يمكن التنكّر لها هي حقيقة أنّنا في كيان سياسيّ لا يملك مواصفات الدولة الحقيقيّة.
أمّا الذين يتبارون في إظهار عبقريتهم بتحليل نتائج تلك المصالحة وتأثيرها على الواقع السياسيّ في لبنان متفائلين بارتفاع حظوظ مرشحهم من هنا أو هناك في بلوغ منصب الرئاسة بفضل ضغوط ذلك الخارج التي تصبّ بزعمهم في مصلحة ذلك المرشّح ، فهم من البسطاء السذّج الذين يستثيرون العطف والاشفاق.
لقد غاب عنهم أو أنّهم تناسوا أنّ الوطن ليس مجرّد لوحة طبيعيّة، يُسَرّ بها الحسّ وترتاح لها النفس، بل هو إلى ذلك، بل قبل ذلك شعب سيّد حرّ له قراره الذاتيّ المستقلّ في إدارة دولته وملء شغور مؤسساتها.
وعندما يستسهل بعضهم هذا الأمر ، ويعتبرون ارتهان القرار الوطنيّ للخارج أمرًا طبيعيًّا لا يُتَوقّف عنده؛ إذّاك لا يمكن إلا أن يقال: سلام على الوطن وعلى أبنائه الذين ماتت فيهم جذوة الكرامة والشرف.
وهنا يحضرني السؤال: هل وصل الأمر ببعضهم أن يقال فيه قولة المتنبّي: من يهن يسهل الهوان عليه؟؟ ما لجرحٍ بميّت إيلام.




