يوم هروب الخوري.. (صلاة المعلّم نجيب)..

خاص “المدارنت”..
لم يكن كالآخرين. الحكمة تجري على لسانه عفوية بسيطة. في يمناه مطرقته الثقيلة، وفي اليسرى ملقط معدنيّ، يمسك قطعة من حديد، انتشلها من النار حمراء متوهّجة، ثم شرع يُعمل فيها ضربات خبرته، يشكّلها “سكّة” في محراث لأحد الفلاحين.
# “بو هوّاش” بَدُّه عدّة لحّام. بَدُّه يترك مهنة النصب والسرقة ويكسب رزقه بالحلال!
ـ عملتلّو ايّاها؟
= إي. بس ما أخدها. قال بدّه يتديّنها.
قلتله: يا “بو هوّاش” أنا من خمس وعشرين سنة، وقت ما بلّشت بهالمهنة حلفت يمين إنّي ما بديّن حدا، بسّ نسيت يومها قول من عدا “بو هوّاش”. بدّك ما تواخزني.
ترك العدّة وما رجع بعد.
… ويتابع الطَّرْق بمهارته المعهودة، وتتشكل “السكة” رويدًا رويدًا. وعندما ينهي عمله، يغسل يديه ووجهه من غبار الفحم، ويتناول ما كان أعدّه البارحة او قبلها من طعام، ليَفْرغ للمطالعة في بعض كتبه المفضّلة. (قصة الفلسفة، تاريخ العالم، زاد المعاد، النبيّ، الإنجيل والقرآن…).
كان تحصيله العلميّ في مرحلة الطفولة قد انتهى في مدرسة الضيعة الأولى بـ”فكّ الحرف”؛ غير أنّ اهتمامه بالمعرفة أطلق هواية القراءة لديه، فكان يعبّ منها ما أتاح له الظرف ذلك.
كان يقرأ الكتاب من هذه الكتب عشرات المرّات، حتى لغدت أوراقها مهترئة ملطّخة بالسواد الذي يحمل بصمات أصابعه، وبات يحفظ الكثير من مقاطعها ويردّدها عندما يلتقي جلساءه من الناس.
في جزيرة محاطة بسور حجريّ مرتفع، كان يقيم. غرفتان ترابيتان متلاصقتان. اتّخذ من الأولى مصنعًا لادوات الفلاحين وبعض الحرفيين؛ ومن الثانية مكانًا للجلوس والنوم، ولإعداد الطعام وتناوله ومطالعة الكتب.
يقصده الزائرون في حاجات تتعلّق بأعمالهم، فيلبّيهم مقابل أجر معقول، يكفيه أو يزيد في تأمين قوت يومه؛ فإذا غادروا، أغلق باب جزيرته ليستمتع بعزلة مريحة، تقصيه عمّا يظنّه من توافه الواقع الاجتماعي والسياسي في حياة الناس؛ فإذا غلبه ضجر الوحدة، بارح جزيرته لزيارة أحد الأصدقاء.
= كيف شغلك يا معلّم نجيب؟
– شو هالشغل! شويّة سكاكين، وكم فرّاعة (فأس)، وسكّة فلاحة خلّصناها لـ”بو حمد”، وباقي النهار بهالجزيرة اللي بتعرفها. قليل ما بتعاطى بهالامور الصغيرة اللي بيهتموا فيها الناس من سياسة ودين وغيره.
= بدّك تنتبه عالطريق من السيارات. (كان الرجل وقد وطأ عتبة السبعين يعاني من شحّ في النظر).
– انا وقت اللي بروح لعندك بمشي عطريق الدوابّ. ما بقطع طريق السيارات الا إذا شفته صار فاضي؛ لأنّه السيارة ما فيها عقل؛ إذا كان الشوفير متلها ما عنده عقل، بيصير الخطر واقع. لهيك لازم الشوفير يكون عاقل. وهودي قلال عنّا. (وبأسف، كانت نهايته ذات يوم تحت عجلات سيارة مسرعة وسائق طائش).
… ويمضي الرجل في زيارتي ساعة أو ساعتين، أَصطحبُه بعدهما في طريقه الى منزله ثمّ اعود.
وجزيرة نجيب، تبعد عن الكنيسة عشرات من أمتار؛ لكنه لم يطأ عتبتها يومًا؛ فما شوهد يقصدها في صلاة أو في جنازة أو إكليل، أو أيّ مناسبة أخرى؛ وما كان ذلك كرهًا بالكنيسة وما تمثّل، بل اعتقادًا أنّ زيارتها لا داعي لها.
وكيف لكاهن الرعيّة ان يرتاح لسلوك رجل كهذا؟! فالواجب الدينيّ يدعوه لهدايته ووعظه ليكون على صورة المؤمنين الصالحين من روّاد الكنيسة.
و”نجيب”، لم يكن فظًّا، غليظ الطبع والخلق، بل كان دمثًا، سلسًا، سهل المفاهمة، يرحّب بالحوار وتقنعه الكلمة العاقلة.
طرق الكاهن بابه يومًا.
= أهلًا” أهلًا” “بونا انطون”. تفضّلوا. واجب انا زوركم. يا عيب الشوم منكم.
– الـ”أبونا” ما بتهمّه الشكليات.
جلس الخوري على “طرّاحة” بالية، بجانبها تلك الكتب المبعثرة في جنبات الغرفة، وقد غلّفها الغبار الأسود، وقضمت أطراف صفحاتها كثرة الاستخدام.
= اقعد يا “نجيب”. شو عمتقرا بهالكتب كتير هيئتك؟!
جلس “نجيب” قبالة الكاهن بكثير من الإستحياء والإحتشام.
– بتسلّى فيها وقت ما بيكون عندي شغل.
= اسمعني يا إبني. إنت انسان مؤمن صالح، ومعاملاتك مع الناس بتشهد، ويسوع بيحبّ امثالك كتير. ليش ما عمنشوفك بالكنيسة بتقدّس مع اخوتك وبتصلّي لربّنا؟
– ابونا، انا رحت عالكنيسة من عشرين سنة، صلّيت، وقلت: يا الله أنا بحبّك، وبعدني لهلّق عند كلمتي، ما غيّرت. وهوّي بيعرف اني بعدني عند كلمتي، بحبّه. ومو ضروري روح كل مرّة عالكتيسة لاقول له هالكلام…
لم يكمل “نجيب” كلامه، حتى كان الخوري قد نهض من قعدته، وتوجّه نحو الباب الخارجي دون أن ينبس بأيّة كلمة.
= وين رحت يا أبونا؟! … وليس من مجيب.




