أدوار لعبها مستشارو الملوك والرؤساء!
“المدارنت”
في بلادنا العربية، قلة هم المستشارون الذين عملوا مع الملوك والرؤساء والأمراء من ذاع صيتهم فقد اختار أغلبهم إجمالا الابتعاد عن الأضواء والتركيز على المهام التي من أجلها اختيروا. ربما نستحضر من بين أشهر هؤلاء في العقود القليلة الماضية أسامة الباز مستشارا للرئيس المصري حسني مبارك، عدنان أبو عودة للملك الأردني الحسين بن طلال، عبد الوهاب عبد الله للرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أحمد بن سودة للملك المغربي الحسن الثاني، ولا شك أن هناك غيرهم ممن لم نذكر، فضلا عمّن كان مستشارا مؤثرا، حتى لو لم يحمل هذه اللقب مثل محمد حسنين هيكل مع الرئيس جمال عبد الناصر.
لعل أبرز ما تحتاجه الساحة العربية الآن وجود نوع خاص من المستشارين ذوي رؤية ورأي ثاقب يكونون سندا لحكام منهم من يظن أنه أوتي الحكمة كلها. أغلب هؤلاء وبسبب «سكرة السلطة» لم يروا حاجة إلى من يقدّم لهم النصح أو المشورة، حتى وإن لم يأخذوا بها بالضرورة، إذ إن وجود هؤلاء يفتح عيون صاحب القرار ليختار هو في النهاية ويتحمّل المسؤولية في النهاية.
في كتابه «مستشارو الملك» يستعرض الباحث المغربي الدكتور محمد شقير ثلة من المستشارين الذين عملوا مع الملك الحسن الثاني وظل عدد منهم مع خليفته محمد السادس، وميزة كل واحد منهم واختصاصه، والأدوار التي لعبها كل واحد منهم، وحجم التأثير الذي كان له في صياغة السياسة العامة كما يقرّرها الملك أولا وأخيرا.
ما يلفت الانتباه بشكل خاص في هذا الكتاب الصادر قبل ثلاث سنوات عن دار «افريقيا الشرق» ما ذكره الكاتب من أن «الملك الراحل في تعامله، خاصة مع مكوّنات المعارضة، عادة ما يلجأ إلى شخصيات مقربة منه للتفاوض بشأن بعض القضايا أو التشاور بشأن بعض المبادرات السياسية. كما كانت بعض أحزاب المعارضة تنتقي بعض مقترحاتها بشأن بعض القضايا المستجدة» مضيفا أن المستشار كان «بمثابة قناة اتصال سياسي يقوم من خلالها الملك بعرض مقترحاته وعروضه السياسية على مكوّنات المعارضة سواء بتشكيل حكومة، أو تقديم مبادرة. وبهذا الصدد، يمكن الإشارة إلى أن مستشار الملك الراحل إدريس السلاوي قد لعب دورا أساسيا في عرض مبادرة التناوب التي ستسفر عن تشكيل حكومة اليوسفي (أول حكومة يقودها حزب معارض في تاريخ المغرب الحديث برئاسة عبد الرحمان اليوسفي الزعيم التاريخي لحزب «الاتحاد الاشتراكي» واستمرت من فبراير/ شباط 1998 إلى أكتوبر/ تشرين الأول 2002) كما لعب المستشار محمد المعتصم دورا أساسيا في مبادرة تنزيل دستور يوليو/تموز 2011».
إذا منعطفان كبيران عرفهما المغرب كان للمستشارين فيهما «دور أساسي» مما يدل على أن المستشار ليس دائما ذاك الذي يعرف استخفافا بالشخص الذي لا يستشار. ورغم هذه الأهمية التي يمكن أن تكون للمستشار، فإننا نكاد لا نعثر اليوم عن اسم واحد لرئيس عربي أو ملك أو أمير، رغم كل التحدّيات القاسية التي يعرفها أكثر من بلد سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي في ظل وضع دولي مضطرب وغير واضح.
في أكثر من دولة عربية اليوم، اختناق سياسي حقيقي وضنك معيشي واضح، ومع ذلك لا أحد من قادة هذه الدول من يحاول التواصل مع أحزاب المعارضة أو القوى النقابية والاجتماعية، إن لم يكن لمد الجسور معها فعلى الأقل لجس نبضها ومعرفة مقترحاتها. العكس هو الذي يحدث مع سياسة المكابرة والهروب إلى الأمام هي السائدة من خلال زج المعارضين في السجون أو دفعهم إلى المنفى مع استمرار شيطنة المخالفين وتقديمهم دائما في شكل المتآمرين والخونة.

ويذكّر الكاتب بأن الحراك السياسي الذي عرفته بعض الدول العربية كمصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين وسوريا مطلع 2011 والذي شجّع على احتجاجات مماثلة في المغرب رافعة مجموعة من المطالب السياسية كإقرار دستور جديد وحل البرلمان والحد من سلطات الملك ومحاربة الفساد والمطالبة برحيل بعض الشخصيات القريبة من الملك محمد السادس، هو ما دفع بالعاهل المغربي إلى إلقاء خطاب في 9 مارس/ آذار 2011 الذي وعد فيه بإصلاحات كبيرة من أبرزها مراجعة شاملة للدستور وتعديل مقتضياته.
وهنا يبرز من جديد دور المستشارين الساعين لنزع فتيل الانفجار حيث يذكر شقير في كتابه أن المستشار الملكي محمد المعتصم هو من كلف وقتها بالاتصال بمختلف القيادات الحزبية والنقابية في المملكة فعقد لقاء مطولا مع زعماء خمس نقابات مغربية وأطلعهم أن الملك يتابع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وأنه بصدد تقديم مجموعة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ويشير الكتاب إلى أنه رغم أن متوسط عدد المستشارين يناهز الثلاثين مستشارا «حددت مهامهم وهيكلتهم ومسؤولياتهم بشكل واضح، لكن على الرغم من هذا التطور التنظيمي، فقد بقي منصب المستشار الملكي، رغم حساسيته، منصبا غامضا وبدون تقنين سياسي أو دستوري». ومع ذلك كله، ورغم أن القرار النهائي يظل في النهاية للملك، مهما كانت قيمة المستشارين، إلا أن ذلك لا يمنع في هذه الأيام تحديدات من التذكير بهذه التجربة المغربية الجديرة بالاحتذاء لتنفيس كل احتقان منذر بعواقب وخيمة قد تكون بعض دولنا العربية سائرة حثيثا نحوها.



