أزمة إيران الداخلية أصبحت سياسة خارجية!

خاص “المدارنت”
لم يعد التصعيد الإيراني الأخير ضد الكويت والسعودية والأردن؛ مجرد رد فعل عسكري على تطورات إقليمية، بقدر ما بات يعكس نمطاً متكرراً في سلوك نظام، يجد نفسه محاصراً بأزمات داخلية متفاقمة، فيلجأ إلى تصديرها خارج حدوده.
فالهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ التي استهدفت دولاً عربية، خلال الأيام الأخيرة، ليست سوى حلقة جديدة في سياسة تقوم على الاعتقاد بأن إشعال الحرائق في الجوار؛ قد يمنح النظام فرصة لالتقاط أنفاسه في الداخل. وتشير التقارير الأخيرة إلى اتساع رقعة الهجمات؛ لتشمل أهدافاً في الكويت والأردن، مع تجدد التهديدات للسعودية، في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن النظام الإيراني، لم يعد يواجه أزمة خارجية فقط، بل أزمة بنيوية داخلية تتشابك فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فالاقتصاد يعاني من ضغوط هائلة، والعقوبات تتزايد، والاستياء الشعبي يتسع، فيما تتزايد مؤشرات الانقسام داخل بنية السلطة نفسها. وفي مثل هذه الظروف، يصبح خلق عدو خارجي وسيلة مألوفة لتبرير الإخفاقات الداخلية وإعادة تعبئة الأنصار تحت شعار “المعركة المصيرية”.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار على توسيع دائرة المواجهة. فاستهداف دول عربية لم تنخرط مباشرة في الصراع لا يحقق مكاسب عسكرية حقيقية، لكنه يخدم خطاباً سياسياً يريد إقناع الداخل الإيراني بأن البلاد تواجه مؤامرة شاملة، وأن استمرار القبضة الأمنية والتعبئة العسكرية ضرورة لا خيار.
لكن هذه السياسة تنطوي على مفارقة خطيرة. فبدلاً من تخفيف الضغوط على النظام، فإنها تدفع مزيداً من الدول إلى الاصطفاف ضده، وتمنحه عزلة سياسية أوسع، وتفتح الباب أمام ردود فعل إقليمية ودولية أكثر صرامة. كما أنها تهدد أمن الخليج والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي في المنطقة بأسرها، وهو ما دفع جهات دولية إلى التحذير من خروج الأزمة عن السيطرة.
إن الكويت والسعودية والأردن، ليست مجرد أهداف عسكرية في حسابات طهران، بل تمثل دولاً يسعى النظام إلى استخدامها كرسائل ضغط في صراعه مع الولايات المتحدة وحلفائها. إلا أن هذا النهج يثبت مرة أخرى أن القيادة الإيرانية، ما تزال تنظر إلى المنطقة بوصفها ساحة لتصفية الحسابات، لا فضاءً للتعاون وحسن الجوار.
والأخطر من ذلك أن هذا التصعيد يأتي في وقت يحتاج فيه الإيرانيون إلى حلول لمشكلاتهم اليومية، لا إلى جبهات حرب جديدة. فالمواطن الإيراني الذي يرزح تحت وطأة التضخم والبطالة وتراجع مستوى المعيشة لا ينتظر سماع أخبار عن إطلاق مزيد من الصواريخ، بل عن إصلاح اقتصادي، وحرية سياسية، ومستقبل أكثر استقراراً.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن تصدير الأزمات لم ينجح في معالجة أسبابها. فكلما اتسعت دائرة المواجهة الخارجية، عادت الأزمة الداخلية لتفرض نفسها بصورة أشد. ولذلك فإن استمرار هذا النهج لا يعني سوى إطالة أمد التوتر الإقليمي، وتعميق عزلة إيران، وتأجيل الاستحقاق الذي لا يستطيع أي نظام الهروب منه إلى الأبد، وهو مواجهة أزماته الداخلية بالحوار والإصلاح بدلاً من الصواريخ والطائرات المسيرة.
إن الرسالة التي يبعث بها التصعيد الأخير ليست رسالة قوة بقدر ما هي مؤشر على حجم القلق الذي يعتري النظام الإيراني. فالدول الواثقة من استقرارها لا تبحث عن معارك جديدة كلما اشتدت أزماتها الداخلية، أما الأنظمة التي تشعر بأن الأرض تضيق تحت أقدامها، فإنها كثيراً ما تحاول توسيع رقعة النار خارج حدودها، على أمل أن تحجب ألسنة اللهب ما يتصاعد من دخان في الداخل.



