أزمة لبنان.. ارتباك رسمي ومواطن ضائع

//خاص المدارنت//… برز في غضون الأربعة وعشرين ساعة الماضية، دعوة رئيس الجمهورية اللبنانيين الى الاستعداد للتضحية بمكتسبات لمواجهة ازمة الوطن المالية والاقتصادية. وأثارت الدعوة تساؤلات عديدة ومتنوعة، لم تخلو من السلبية والتعبيرات الكوميدية، التي طالما طبعت ردات فعل المواطن اللباني إزاء أوضاعه وأوضاع البلد. ففي إحدى المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، تساءل مواطن بتعجب، وهل تركتم لنا مكتسبات لنضحّي بها؟!
ردات الفعل هذه، لا تخرج عن السياق العام لحال الضياع التي يعيشها المواطن اللبناني هذه الايام، ولسان حاله “لوين رايحين” و”شو منعمل”.
يحتار المواطن في وزير (الاتصالات محمد شقير) يعلن عن شراء مكاتب لشركة “أم تي سي” (للاتصالات)، في أغلى مناطق بيروت، بقيمة 75 مليون دولار، والموازنة الحكومية بعجز، فيسارع وزبر آخر (وزير المال علي حسن خليل) الى إيقاف الصفقة. كما يحتار المواطن عندما يسمع وزير الصناعة (وائل أبو فاعور) يصرح بأن رسم الاستيراد الجديد البالغ 3%، لن يساعد أو يحمي الصناعة الوطنية. كما يحتار المواطن في رواية 136 معبر تهريب غير شرعي، يشكون منها مَن هم مؤتمنون على ادارة الشأن العام، ويحملون مسؤوليته. كما ويحتار المواطن في تقارير اعلامية يومية تفند ملايين الدولارات في صفقات وعمليات هدر وفساد وتقاسم وتحاصص، فيما يُطلب منه التضحية بما تبقى من لقمة عيشه.
أما على المقلب الآخر لأهل السلطة والحكم، فتسود حال من الارتباك الذي يتصاعد ويتوسع نتيجة تحديات، منها ما هو ذاتي جَنت على نفسها فيه “براقش”، ومنها ما هو موضوعي، بمعنى فرضه عبر خيارات سياسية لقوى محلية واقليمية تعمل على الاستثمار في الازمة.
فقوى السلطة مرتبكة، لعدم قدرتها على عقد اجتماع لمجلس الوزراء منذ حوالي شهر، فيما الديون تتراكم والفوائد ترتفع والليرة تترنح.
وتأتي إشارات التصنيف السلبي للبنان من قبل وكالة الائتمان العالمية ستاندرد اند بورز، لتصعّد الارتباك السلطوي وتوسع نطاقه. ويقال في آخر الاخبار، أن الحكومة بدأت تسعى الى تأجيل إصدار التصنيف المتوقع بعد ثلاثة أسابيع، و هذا في حد ذاته مؤشر سلبي للاسواق والمستثمرين.
وقوى السلطة مرتبكة ايضا، لانها ضمّنت الموازنة تخفيضاً في خدمة الدين العام، يبلغ حوالي 700 مليون دولار، نتيجة تبديل سندات دين بقيمة 11 الف مليار ليرة، وبيعها للمصارف بفائدة 1%. فلا المصارف تريد شراء السندات ذات المردود المنخفض جداً، ولا هي تملك السيولة إن أرادت الشراء، ولا مصرف لبنان يستطيع تحمل عبء شراء السندات نفسه. فأيّ هندسة مالية خلاقة جديدة ستؤمن الوفر الموعود؟ وعلى حساب مَن؟
لا يقف الارتباك السلطوي عند هذا الحدّ. فالحكومة أقرت موازنة جديدة لسنة 2019، لن تدخل حيز التنفيذ الا في الشهر الثامن. وهذا يعني انه يتوجب على الحكومة تحقيق تخفيض العجز الموعود في غضون خمسة شهور. علما ان الافتراضات الاقتصادية التي تقوم عليها ارقام الموازنة لم تكن واقعية في الاساس. فكيف السبيل الى تحقيق تشغيل الحكومة، والدولة والبلد بعجز لا يتجاوز 7% نسبة الى الدخل الوطني الاجمالي؟
الحكومة مرتبكة أيضاً وأيضاً، لأن اجراءات تخفيض عجز الموازنة تؤثر سلبا على النمو والنشاط الاقتصادي الراكد اساساً، مما يبقى حجم الاقتصاد على ما هو عليه، ولا يساعد في تحسن الايرادات، ويتطلب خفض النفقات اكثر وأكثر في الموازنة القادمة.
ويبدو ان تعاطي المجتمع الدولي مع لبنان، يربك أيضاً حكومته. فقد جاء رد فعل المؤسسات الدولية، كصندوق النقد الدولي على اقرار الموازنة حذر جداً، مرفق بتشكيك ببعض الارقام والاعلان ان الإجراءات التقشفية بداية، ولكن ليست كافية. علما ان الدول الرئيسية الراعية لمؤتمر “سيدر” كفرنسا، لا تزال تكتفي بالمراقبة عن بعد، مع استمرار مطالبتها بالاصلاح الافتصادي الحقيقي.
وفي ظل تعطيل عمل الحكومة التام، يفترض بقوى السلطة العمل على إعداد موازنة السنة المقبلة، التي ستنطلق من ارقام موازنة السنة الحالية، مما يعني ان متطلبات التقشف للمتابعة بتخفيض العجز ستكون بالضرورة أوسع وأعمق، مع آمال كبيرة معلقة على اتخاذ إجراءات اصلاحية، لا بد أن تثير حفيظة القوى الانتاجية، التي تشكو من صعوبة اوضاعها، وتطالب بوقف الهدر والفساد.
لم يوفق فخامة الرئيس ميشال عون، في دعوته اللبنانيين الى مزيد من التضحية. لكنه أصاب في تشبيهه الوضع اللبناني، بمشهد الفرقة الموسيقية التي تستمر بالعزف، كأن شيئاً لم يكن، فيما سفينة “التيتانيك” تغرق الى قاع المحيط.



