أسس النظام اللبناني.. مثلث التبعية والفئوية والفساد

خاص “المدارنت”..
منذ انطلاقة انتفاضة الشعب اللبناني العارمة، يُردد المتظاهرون في كل ساحات الوطن، “الشعب يريد إسقاط النظام” و”كلّن يعني كلّن”، هذا، ويعبر المنتفضون عن معاناتهم مع النظام والسلطة بطرق متعددة، ومظاهر متنوعة ولغات مختلفة. لكن لا يمكن للمراقب الا ان يلاحظ القاسم المشترك الطاغي، وهو رفض المواطن العادي لذهنية ومنهجية ادارة الشأن العام، في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بمعزل عن ماهية وطبيعة قوى السلطة والامر الواقع.
لقد كشفت انتفاضة اللبنانيين في عفويتها وتعبيراتها ولو للحظة، ان الاستقطاب الطائفي والفئوي، المعطوف على العزف على وتر التخويف من الاآخر، يخفي خلفه وبعمقه هم لبناني واحد ووجع لبناني واحد. انه هم العيش الكريم بحد ادنى من الانسانية، في دولة المواطنة، القائمة على الحرية والديموقراطية والمساواة امام القانون.
فقد يتعصّب المسيحي لميشال عون او سمير جعجع نتيجة الاستقطاب الممنهج والتخويف المنظم. لكنه يريد ماء وكهرباء. وقد ينتصر الشيعي لنصرالله وبري ايضا نتيجة الاستقطاب والتخويف. لكنه ايضا يريد طبابة وفرصة عمل. وكذلك الامر بالنسبة للسنّي المدافع عن الحريري، ويريد تعليم ابناءه، والدرزي الجنبلاطي الذي يحتاج ضمان شيخوخة.
لقد خرج كل أبناء الطوائف هؤلاء، وضاقت بهم الساحات، وقطعوا الطرقات، ليقولوا بمختصر مفيد، نريد دولة و وطن، لا مزرعة ولا شركة.
بناءً على ما تقدم، فان شعار إسقاط النظام يختصر بكلمات معدودة وجع اللبناني، ومشكلته مع من يحكمه. كما انه بالتالي لا يمكن ان يفهم او ان يعني اي شيء، أقل من التغيبر الجذري لمنظومة الحكم، بكافة مكوّناتها وعناصرها وقواها وذهنيتها ومنهجيتها وطرقها ووسائلها. ليست المسألة في استقالة رئيس حكومة قد يعود هو نفسه، ولا حتى تنحي رئيس جمهورية بلغ من العمر عتيا. ولا القضية هي تغيير نائب لا يحلّ محله الا مثله، او إقرار قانون لا يكون الا حبر على ورق.
إن تغيير النظام القائم اليوم في لبنان، بالمعنى الايجابي الذي يبتغيه اللبنانيون، يتطلب استهداف مثلث أساسات النظام الثلاث، وهي كما نراها التبعية، الفئوية والفساد. فالنظام اللبناني اليوم يمثل تحالف وتقاطع مصالح قوى مسلحة مرهونة لمشروع خارجي، وقوى مرهونة لمصالحها الفئوية (فردية، عائلية، حزبية، طائفية)، وقوى لا ترى في الدولة والمال العام ، إلّا بقرة حلوب تملأ براميل جشعها وإثرائها الفاحش.
فقوى التبعية تفاخر بتبعيتها، وترى نفسها اكبر من ان تهتم بلبنان الوطن والمواطن. المهم بالنسبة لها هو المشروع الاقليمي الذي تجند نفسها، وبالتالي، تجند لبنان معها، لخدمته. لا يضير هذه القوى التحالف مع الفئويين والفاسدين، وغضّ الطرف عنهم، لا بل دعمهم، طالما هم لا يعترضون على المشروع الاقليمي.
والقوى الفئوية ترى في الوطن والمواطن، ساحة مفتوحة لتحقيق طموحاتها في السلطة والنفوذ والسيطرة. تتمثل المصلحة الوطنية العليا في منظار هذه القوى، في السياسات والمواقف والعصبيات التي تفضي الى تحقيق طموحاتها، بما في ذلك ما يُسمّى بحلف الاقليات، الكفيل بضرب وتمزيق النسيج الاجتماعي الوطني الجامع، وبالتالي، تهديد مصير الاقليات نفسها. وهكذا، فان القوى الفئوية لا ترى مشكلة في مشروع قوى التبعية، طالما ان المشروع يستوعب طموحاتها.
أما قوى الفساد، فلا دين لها ولا مشروع ولا موقف، الا ما يؤمن صفقاتها، ويسمح بسرقاتها لمال الناس وامكانات الوطن. قوى الفساد هذه مستعدة للتحالف مع الشيطان، بغض النظر عن مشاريعه الاقليمية او طموحاته الفئوية. لا يعنيها الا ان تبيع وتشتري، وتملأ حساباتها المصرفية.
يُروى عن الامام علي بن أبي طالب قوله: لو كان الفقر رجلاً لقتلته بسيفي. فلو كان النظام رجلاً لقتلناه ألف مرة. ليس النظام القائم مسؤولاً نجبره على الاستقالة، ولا وزيراً نستبدله، و لا نائباً نأتي بغيره. إنه منظومة متكاملة لا تتغير، إلا باستهداف اساساتها الثلاث، المتمثلة بقوى التبعية والفئوية والفساد.



