مقالات

ألإسلام والآخَر..

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”
كثيرًا ما يُتَّهم الإسلام بالأُحادِيّة وبِنَبذ وبالغاء من لا يؤمن برِسالتِه جُملةً وتفصيلا. هذا الاتِّهام يُعزِّزُه سلوك الكثيرين من المسلمين الذين لم يتسنّ لهم معرفة دينِهم بمضامينِه الحقيقيّة، أو لم يبذلوا بعض الجهد لكي يكتشفوا الحقائق كما عبَّر عنها القرآن الكريم صراحة من دون لبس أو غموض.

ألإسلام، في أساس خطابه، يتوجّه إلى الإنسانيّة جمعاء في كلّ الأزمنة والأمكنة، من دون استثناء، إلى أن يرِث الله الأرضَ ومَن عليها. لذلك، ليس من المنطقيٌ على الإطلاق، أن يُنظَر إلى هذه الرسالة السرمدِيّة من منظور فئوِيٍّ ولا من زاوية واحدة، ولا من خلفيّة فكريّة أو ثقافيّة بِعَينِها. هو فضاء لا متناهٍ من مقارَبة الحياة الإنسانيّة بكلّ بداياتها ونهاياتها ومراحل نمُوِّها، وامتدادات وانقباضات قدراتها العقليّة والعاطفيّة؛ ضمن نواميس طبيعيّة حدّدها الخالق بدِقّة تحكم الكون إلى ماشاء وقدّر..

من هنا، لا يمكن النظر إلى الإسلام باعتباره حِكرًا على فئة من الناس من دون غيرها، ولا دينًا بصبغة زمان أو مكان أو جماعة. إنّه نظام حياة شامل، كامل ومُتَكامل يتعالى على المكان والزمان والجماعة؛ ليُشَكِّل النهجَ الذي يجب ان يكون عليه الوجودُ كلُّه بناسِهِ وأشيائه وحركتِه لكي يبلغ العمران مُنتَهاه..

نعود إلى الشقّ البشريّ وخطاب الإسلام الموجّه الى الإنسانيّة كلِّها من خلال عشرات الآيات، التي تتحدّث بوضوح تامّ عن شمول الخطاب القرآنيّ لكلّ البشر من كلّ عرق ولون ومَشرَب:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير”.
“وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ”.
“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُون”.
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون”. “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ..
“أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا”. “يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين”. “فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاق”.
“كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ… مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ…

“وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم “. “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين”. “رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد”.

إذن، لا رَيبَ أنّ الله لا يُفَرِّق بين أحد من خلقه إلّا بالتقوى، والتقوى مرتبة يبلغها الإنسان بسلوكِهِ وعملِه ومخافَة الله في كلّ كبيرة وصغيرة. هي بذرة وضعها الله في كلّ خلقِه؛ فإمّا تكبر وتنضج ويعمّ خيرها فيكون الإنسان في أبهى صوَر الخالق أو تضمُرُ وتتآكل؛ فيكون الانسان في أسفل سافلين. هي معادلة واضحة للفصل بين الخير والشرّ في الانسان وليس في المسلم وغير المسلم.

كان الرسول، عليه الصلاة والسلام، يرأف بالآخَر، غير المسلم، ويدعو الله أن يفتح قلبَه للإيمان لينجو في الدنيا والآخرة.

يقول تعالى، مخاطِبًا الرسول الكريم: “وما أرسلناك إلّا رحمةً للعالَمين”، والعالمين هم كلّ البشر، مسلمين وغير مسلمين، مؤمنين وغير مؤمنين، في كلّ زمان ومكان إلى أن يرِثَ الله الأرض ومن عليها. لذلك، على المسلم أن يكون رؤوفًا رحيمًا بكلّ عباد الله ومخلوقاتِهِ، من دون تمييز، عملًا بسُنّة الله والرسول وأنبياء ورسُل الله أجمعين.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى