مقالات

إحياء باهت لكارثة الرابع من آب!

خاص “المدارنت”..
كنت أنتظر الرابع من آب ككثيرين غيري، لنرى ردة فعل اللبنانيين، ومن تبقى من حملة لواء ثورة 17 تشرين عامةً، وأهالي الضحايا خاصةً، بعد ثلاث سنوات على انفجار مرفأ بيروت الكارثي، الذي لم تبخل العبارات في توصيفاته من «انفجار العصر» إلى «بيروت شيما»…
إلَّا أن هذه الذكرى مرت كسابقتها بأمنٍ وأمانٍ بالنسبة لكل المُجْرمين الذين يُشار لهم بالبنان، وكانت أيضًا أقل حماسًا من سابقتها، وأقل تفاعلًا حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي…! فالناس في هذا الوطن قد تعودوا النِّسيان وطيِّ الصفحات. أو بالأحرى أجبرتهم كثرة المآسي التي تمر بهم لِحاقًا وراء بعضها من دون توقفٍ، على أن لا يتوقفوا كثيرًا عند الأحداث التي أصبح كبيرها مثل صغيرها… وعندما يتوقفون لبعض الوقت أحيانا عند بعضها، فإن الحدث، أو المأساة التي تعقبها تجعلهم يتجاوزون الأولى، وينشغلون بالكارثة الجديدة التي حلت بهم لأنها أكبر وأفظع وأشنع…!
وهذا هو مربط الفرس، وما يراهن عليه الساسة، حتى في تصرفاتهم مع بعضهم، فإن كل ما يرفضه بعضهم اليوم، يقبلون به على الرحب والسعة غدا، أو بعد غد وما من داع للاستعجال، أي بعد مساومات على المنافع الشخصية أولًا وأخيرًا… وليمت الوطن والمواطن، ولتدفن معه كل أخلاقيات الوطنية والإنسانية التي يتغنون بها في شعاراتهم وأحاديثهم المتلفزة، فالمهم بالنسبة لهم مصالحهم أولا… أو ليس هذا ما حدث عندما رشحوا (مؤسّس التيار العوني) الجنرال (ميشال) عون لتولي منصب رئاسة الجمهورية، وهو نفس الحال اليوم مع ترشيح (رئيس تيار المردة الموالي للحلف السوري/ الإيراني) سليمان فرنجية، الذي يرفضه بقية الساسة…؟ ولكن سريعًا ما سيقبلون به عاجلًا أم آجلًا، لأن مجال المناورة بالنسبة لهم أمام من يملك السلاح وفائض القوة محدود جدًّا، ولأن لُعابهم سريع السيلان أمام القومسيونات والمنافع الشخصية البحتة…
لقد كان إحياء هذه الذكرى منذ أيامٍ باهتًا وإلى أبعد الحدود، وحزينًا في آنٍ معًا، وكأن الحدث الكارثي الذي هزَّ أصحاب الضمائر الحية في كل العالم، صار بالنسبة إلى اللبنانيين من الماضي البعيد، مع أن دماء الضحايا لم تجف بعد. ويبقى أن نعلم أن التجمع الذي أقيم قرب المرفأ، وفي المكان الذي سمحت به الأجهزة الأمنية بالتشاور مع حزب الله طبعا أمنيا وسياسيا، وسُمِحَ للمُنظمين القيام به، إنما تمَّ بعدما تأكدوا أنه غير مُسيَّس، والمقصود بهذه العبارة «غير مُسَيَّس» أي إحياء لذكرى أليمةٍ مفرغةٍ من مضمونها، وبمعنى آخر، حديثٌ عن جريمةٍ دمرت نصف العاصمة بيروت، وراح ضحيتها المئات، ولكن من دون ذكرٍ للمجرم أو الإشارة إليه، مع أنه أصبح معروفًا للجميع وبالتفاصيل المملة…
فمَن في لبنان، اليوم، لا يعرف المشتري لهذه الكمية الضخمة من النترات.. والبنك الذي موّل.. ومن قبض العمولات.. وشركة الشحن.. ومَن الذي خزّن في مرفأ بيروت.. ومَن قام بحراستها على مدى شهور، بل سنوات.. ومَن كان يسحب منها في كل مرة حاجته، لكي يقتل بها الشعب السوري الأعزل بعد وضعها في براميل الموت المُرعبة، في أبشع مجزرة عرفها هذا القرن…؟
كل هؤلاء معروفون تمامًا، وحتى الذي فجّر، وكيف فجّر معروف أيضا.. ولكن يستحون من ذكر اسمه، لأنه يكشف عوراتهم، وكذب شعاراتهم… نعم.. كل أبطال المسرحية أصبحوا اليوم معروفون، وحتى صغار الكومبارس، ولا يوجد في الموضوع «راجح»، أو الرجل الخفيّ على الإطلاق… والجميع يتحدث عن ذلك، حتى الأزلام والأتباع وأتباع الأتباع والمحاسيب، طبعا مع أجمل البهارات اللبنانية وكثير من التفاصيل…
ثلاث سنوات مرت على الانفجار الكارثي بكل معنى الكلمة، سَلك المبللة أياديهم بدماء الضحايا الأبرياء خلالها كل السبل والوسائل لإخفاء نور الشمس بغربال، وطمس معظم معالم الجريمة إن لم يكن كلها، كبقية الجرائم السياسية الأخرى في هذا الوطن… وخلطوا الحابل بالنابل، ابتداء من اغتيال المصور جوزيف بجاني، الذي هرع إلى عين المكان، والتقط صورًا تُوثِق الجريمة، وانتهاءً بكل الذين كانوا مُصمِّمين على الذهاب بعيدًا في البحث والاستقصاء حول هذا الموضوع الشائك، فدفعوا ثمن ذلك حياتهم من أمثال المغفور له (الكاتب والصحافي) لقمان سليم…
والمصيبة في الموضوع، هو أن البعض يطلب من الغرب التدخل، وإجراء تحقيقٍ دوليٍّ يكشف الجناة، ويسهم في إحقاق الحق… وهم لا يُدركون أن الغرب يدير ظهره لهذه الجريمة حفاظا على مصالحه في المنطقة، والتي هي أهم بالنسبة له من بيروت ودماء الأبرياء، على الرغم من تصريحات كثير من مسؤوليه… وإلا لكان أستصدر قرارًا من أعلى الهيئات الدولية، يحمل الأطراف المشاركة في هذه الجريمة المسؤولية، وهم بالنسبة للغرب معروفون تماما…
لقد كانت احتفالية، تميزت بكثير من الانضباط والحياء، ولو كان الساسة والمسؤولون الذين لهم ضلع من قريب أو من بعيد في هذه الجريمة الكارثية، يعلمون مُسْبقا أنها ستسير على هذا النحو، لكانوا شاركوا فيها أيضًا عن حبٍّ ورضا، ولحملوا مع المتظاهرين اليافطات، واتّشحوا بالسواد كذلك، كدليل آخر على عهرهم فقط لا غير…! ولكانوا أرسلوا أتباعهم وجماهيرهم ليساندوا أهالي الضحايا في حزنهم، وليظهروا في نفس الوقت للعالم أجمع وجههم الحضاري والديموقراطي… فإحياء هذه الذكرى الأليمة بهذه الطريقة، لا يخيف يا سادة يا كرام الذين يقفون وراءها، ويُشكلون عقبةً في وجه إجراء تحقيقٍ شفّافٍ وشاملٍ، ولا يحرك في جسدهم شعرةً واحدةً…
إن ما يخيف الذين يُمْسكون بمقاليد الأمور حقا، ويأخذون الوطن والمواطنين رهينةً، هو أن تُفْرِز الجماهير كما في كل الانتفاضات والثورات رجالًا قادةً ساسةً عابرين للطوائف، لا تكون أياديهم ملوثة في القومسيونات والعمولات، ولا أكلوا على موائد الساسة والزعماء وشاركوهم جرائمهم… الذي يزعجهم حقا، هو النزول إلى الشارع بكثافةٍ مُجدَّدًا، وخُصوصًا في هذا الظرف الدولي الدقيق الحالي… وعودة شعار «كلّن يعني كلّن»، الذي بذلوا كل جهدهم وعبر كل الوسائل لتفريغه من مضمونه ومحتواه، وانتقاده من كل الجوانب وتسفيهه، لأنه أخافهم حقا…
إن عودة هذا الشعار من دون أن يوضع عليه أيّ “فيتوهات” زعاماتية ولا مذهبية، والعمل بإخلاص لإخراج هذه الطبقة الأخطبوطية الفاسدة بأمها وأبيها من السلطة، ومحاكمتها بلا شفقة ولا رحمة، واسترجاع الأموال المنهوبة وإعادة المدخرات إلى أصحابها كاملة، هو خير ما يمكن أن نقدمه كعربون وفاء ومحبة لدماء كل الضحايا الأبرياء، الذين سقطوا في انفجار المرفأ، وأيضا في السيارات المفخخة، وما أكثرهم…! وإلا فإن إحياءكم لهذه الذكرى الأليمة بهذه الطريقة يا سادة يا كرام، ليس أكثر من حالة رفع عتب، وتجمع للندابين والبكائين، من أجل بعض الصور التذكارية التي سوف تقومون بعرضها لأولادكم وأحفادكم يومًا، أو لتنشروها على وسائل التواصل الاجتماعي…
وإلى أن يأتي العام القادم، ويقوم الأهالي وجمعيات المجتمع المدني، بعملية نكأ لجراحهم مُجددا… يبقى السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المناسبة وهو:
إن لم تنزل الجماهير المُخلصة عن بكرة أبيها في مثل هذه المناسبة، فمتى تنزل يا ترى…؟! وإن لم يستحق تدمير نصف بيروت وسقوط أكثر من 200 ضحية، بالإضافة إلى مئات من المعاقين، وقفة عزٍّ من كل الشرفاء، والنزول إلى الشارع بكثافة، وإعلان ثورة غضب حقيقة إلى أن يتم تنظيف الوطن من هذه الطبقة السياسية الفاسدة نهائيا، فما الذي يستحق ذلك إذا…؟!
ولكن يبقى الأهم من كل ذلك، تصبحون على وطن..
                                    خالد بريش/ باحث لبناني مقيم في باريس

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. تحياتي أخ خالد..
    على امل اللقاء بك والتباحث بالموضوع الذي نشرته ،والذي هو يعبر عن موقف كل الشرفاء الصادقين على امتداد الوطن والامة ، اكرر تحياتي وعلى امل ان يكون الله املا في قلوبنا جميعا ضياء وهدى لبقاء الاقلام الملتزمة بيارق كاشفة في وجه هذه المنظومة الفاسدة ، ونعم كلن يعني كلن ولا تثتني احد منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى