مقالات

إذا الـشــعــــب يـــومـــــاً!؟

بريشة الفنانة دلال القيسي/ لبنان

كتب محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

“إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة
فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي
ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ…

كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ
وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ…

إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ
ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ..

ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ…”.
                                                                          أبو القاسم الشابي
… لم تأتِ صرخة أبو القاسم الشابي من الفراغ أو العدم أو اللاشيء.. هل نحن من الشعوب التي لا تريد الحياة..؟! أو من الشعوب التي لا يستجيب لها القدر..؟! هل نحن من الشعوب التي تعشق جلاديها وتعشق ليلها الطويل الطويل.. وموتها البطيء البطيء..؟! هل نحن من الشعوب التي تقدّس سجانيها وقاتلوها..؟! هل نحن من الشعوب التي تقدّس القيود والسلاسل في رقابهم وأياديهم وأقدامهم ويولدون ويموتون بها..؟! هل نحن من الشعوب التي لا تحب الحياة ولا يعانقها شوقها كما قالت الكائنات وروحها المستتر..؟! هل نحن من الشعوب التي تخاف دمدمة الجبال مع الجبال ودمدمة الريح بين الفجاج وفوق الجبال وتحت الشجر..؟! هل نحن شعب أصبح يخشى المغامرة والتحدي والطموح والموت من اجل الحياة..؟! هل أصبحنا شعب يخاف وعور الشعاب والهضاب والجبال وما خلف الجبال وما بعد الجبال..؟! هل أصبحنا نحن شعوب الجبال الجبال الجبال نخاف صعود الجبال ونخاف صعود القمة وصعود القمم..؟! هل أصبحنا شعوب قدرها ان تعيش أبد الدهر في طوابير الذلّ والقهر وبين الحفر..!؟
أين شعب الثقافة التاريخية القادمة من أعرق الحضارات على مدى الآف السنين.. من موطن الفينيقيين والحروف الأبجدية.. ورحم الكنعانيون العمالقة.. ولسان العرب العاربة ووجهها.. بلاد الحضارة الثقافية التي تزاحم عليها واحتلها وغزاها الآشوريين والفرس والإغريق والرومان والصليبيين والعثمانيين والفرنسيين…؟! وانتصرت عليهم جميعاً بالسيف والقرطاس والقلم.. أين شعب أدباء وشعراء ومفكري وفلاسفة الرابطة القلمية وأنبيائها.. بلاد التنوع في تنوع سكانها وتألفهم وتميزهم، في الأنماط الموسيقية والأدب والهندسة المعمارية والهندسات الثقافية واللغوية القديمة التي ينطق باسمها التاريخ ويشهد لها… البلاد والشعوب التي اشتركت وتتشارك في معظم الثقافات والحضارات الانسانية والسماوية وما بينهما.. أين أنتم يا شعب لبنان العظيم وبأي كهف من كهوف التاريخ تعيشون وتنامون وتموتون؟! أين أنتم يا أبناء فتى العلم الكهربائي الملقب أديسون الشرق (حسن كامل الصباح)، وفي أيّ عتمة تعيشون.. أو بالأحرى في أيّ ظلمة وظلمات تعيشون وتموتون؟! هل نحن حقيقة أو مجرد وهم.. هل نحن حقيقة تاريخية في حقيقة الشعوب الحقيقية أو مجرد كذبة صغيرة.. مجرد كذبة تاريخية..؟!
هل أعتدنا على سياسة العصا والجزرة والعصا الغليظة؟!.. وحياة القطعان والطوائف والملل والمذاهب والأعراق، والشعوب الضعيفة والخاضعة والصاغرة، المذعنة والمستسلمة لمصيرها، والعاجزة والغير قادرة لا على تغيير واقعها ولا حتى على تحريك مياه مصيرها الراقدة في العيون النائمة في غرف الانتظار.. إنتظار دورهم في طابور ثلاجة الموتى. هل نحن ضحايا سياسة التهجين الذي اعتمدته النظم الحاكمة ونخبها وأحزابها، عبر عقود وحروب ومؤامرات داخلية وخارجية منهجية ومتتالية…؟! وجرّنا الى مستويات مفزعة من الفقر والأمية والتخلف الحضاري، وانتشار الجهل وشيوع القهر والاستبداد، وتفتت النسيجية الاجتماعية والمجتمعية، وظهور النزاعات الطائفية والمذهبية والعرقية والاثنية..؟! ونحن ما زلنا نسير خلفهم نهتف لهم ولأولادهم بطول البقاء والزعامة والعمر الرغيد المديد.. نهتف لموتنا اليومي دون أي سلوكيات تمرد أو رد فعل أو أقوال مخالفة.. ودائماً ما نقف في طوابير سلطاتهم وسلطانهم ونوابهم ووزرائهم وأزلامهم وكلابهم صفاً صفاً من الحاجة والمحتاجة.. هل وصلنا إلى مستوى من التدجين الذي وصل بنا وأوصلنا إلى حدود الشلل والانكفاء الذهني، مما أحدث حالة من الاغتراب الذاتي والجماعي والمجتمعي، لدى المواطن والمواطنين إلى مرحلة الانكسارات اليومية وإنكار وجود الشعب وإلغاء صلاحياته الشرعية والشرعة والمشرعة والشراع.. الشرعية في اللغة والاصطلاح.. الشرعية في النظرية والتطبيق…!
هل أعتدنا ان نكون عاجزين وانهزاميين وتبريريين نؤمن ونصدق أن مصابنا هو مصاب الجميع؟ وهذا تماماً ما تبتغي السلطة والطبقة السياسية الفاسدة وأحزابها تحقيقه واستدراجنا إليه. هل وصلنا من الإخضاع والخضوع الى مرحلة اعتادت عليها شعوبنا، ولم تعد ترى فيها شيئاً شاذاً، بل تعتبر ذلك أمراً طبيعياً، بحيث تحوّل الكثير من شعوبنا إلى أن يمارس رقابة ذاتية صارمة على أفكارها وأقوالها وأفعالها، وأصبحت الناس توجه اللوم الى بعضها البعض، بدلاً من توجيه اللوم والنقد الى الجاني
والمفزع أن هذا الوضع السلوكي لبعض الشعوب يتم توريثه للأجيال اللاحقة، بحيث يتحول الشعب كله نسخة واحدة من الأصل. هل أعتدنا على سياسة العصا والجزرة وطلاء جدران السجن الخارجية أو المزرعة والإسطبلات والمواخير بألوان ربيعية زاهية.. من اجل توظيف علم النفس السلوكي لترويضنا من قبل متخصصين نفسانيين واجتماعيين وأمنيين في الغرف السوداء المغلقة في تلك المواخير والسجون والإسطبلات كي نتعود العزلة والاعتزال والانعزال التام والالتزام بالجرس حين يُقرع على (نظرية التعلّم الشَّرطي)!
“إيفان بافلوف”، العالم “الفسيولوجي” الروسي، صاحب أهم النظريات الترابطية، وهي نظرية “التعلم الشَّرطي”، قام في إجراء تجربة على أحد الكلاب، ولاحظ أن لعاب الكلب يسيل عند تقديم الطعام له، ثم ربط تقديم الطعام بقرع الجرس، ومع التكرار أصبح لعاب الكلب يسيل حين قرع الجرس، حتى من غير وجود الطعام. هذه التجربة أوصلته لصياغة نظريته الشهيرة في علم النفس وفلسفة السلوك، حيث أظهرت التجربة تكوّن ارتباط مثير شرطي واستجابة طبيعية، من خلال تكرار الاقتران بين المثير الشرطي والمثير الطبيعي – وهو هنا الطعام- الذي يحقق الاستجابة الطبيعية أصلاً، بحيث يصبح المثير الشرطي- وهو هنا صوت الجرس- قادراً على إثارة الاستجابة وحده. ويفسر بافلوف حدوث هذا النوع من الارتباط إلى أسس فيسيولوجية بحتة مرتبطة بوظائف الدماغ تستفيد منها السلطة الحاكمة والمتحكمة والأحزاب الحليفة والمتحالفة معها والنخب الداخلية والخارجية في إستعمار عقول الشعوب وقدراتها وثرواتها وماضيها وحاضرها ومستقبلها..
وحين تقرع الأجراس.. أجراس الحكام وأحزابها في مناطق النزاع والاستبداد، تهرول الشعوب اليها من غير إدراك، حتى يسيل لعابها وتنقطع أنفاسها حتى من غير وجود طعام.. حتى تسقط في كهوف عبوديتها.. حتى تسقط في قبورها.. حتى من غير وجود أكفان، حتى من غير مراسم.. وحتى من غير شواهد…!
*يجيءُ الشتاءُ شتاءُ الضبابِ.. شتاءُ الثلوجِ شتاءُ المطرْ.. فينطفئُ السحرُ سحرُ الغُصون.. وتهوي الغُصونُ وأوراقُها… ويفنى الجميعُ كحلمٍ بديعٍ.. تألقَ في مهجةٍ واندثرْ.. وحالِمةً بأغاني الطيورِ.. وعِطرِ الزهورِ وطعمِ الثمرْ.. تُسائلُ أينَ ضَبابُ الصباحِ.. وسحرُ المساءِ وضوءُ القمرْ… ظمِئتُ إلى الكونِ أينَ الوجودُ.. هُو الكونُ خلف سُباتِ الجُمود… ورفرفَ روحٌ غريبُ الجمال.. بأجنحةٍ من ضياءِ القمرْ.. ورنَّ نشيدُ الحياةِ المقدَّس.. في هيكلٍ حالمٍ قد سُحِرْ.. وأُعلنَ في الكونِ أن الطّموحَ.. لهيبُ الحياةِ وروحُ الظَّفَرْ.. إِذا طَمحت للحياةِ النفوسُ.. فلا بدّ أن يستجيب القدر .
نعم، إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة.. فلا بدّ أن يستجيب القدرْ.. ولا بدَّ لليل أن ينجلي.. ولا بُدّ للقيد أن ينكسرْ… ومن لا يحب صعود الجبال.. يعش أبَدَ الدهر بين الحفرْ.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى