مقالات

“إسرائيل” تستفيد من تخريب العلاقة بين دمشق وعمّان!

“المدارنت”
فور سقوط نظام (الطاغية المخلوع) بشّار الأسد، سارعت الحكومة الأردنية إلى تأييد سورية الجديدة، والوقوف الى جانبها، ومهّدت الطريق نحو الأردن ليكون في حالة الاستقبال والودّ والتعاون، ثم تعدّدت اللقاءات، واتسعت على كلّ الأصعدة، وكان أكثر وزير خارجية عربي زار دمشق بعد سقوط نظام الأسد هو الأردني أيمن الصفدي، والذي جعل خطوط التفاهم حاضرة دائماً مع دمشق الجديدة، ووضع إمكاناته الفردية والوطنية في خدمة دعم الاستقرار في سورية، حتى إنّه بذل الكثير سياسيّاً من أجل لملمة الوضع الصعب وحالة الاستعصاء في الجنوب السوري.

ثم توصّل مع المبعوث الأميركي إلى سورية والعراق، توم برّاك، مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، إلى الخطوط العريضة لاتفاق “خريطة الطريق” لحلّ مشكلة السويداء وجبل العرب، المُعلن عنها منذ سنة أو يزيد، حلّاً عمليّاً لذاك الاستعصاء الطويل في محافظة السويداء وجبل العرب، ومن ثم محاولة قطع الطريق على إسرائيل من إمكانية الاستمرار في اللعب بورقة الأقليات، وخصوصاً الدروز، من منطلق أنّ للوزير الصفدي كلّ الدور المؤثّر، وقد يكون مُتقبَّلاً، باعتبار أنّ الوزير الأردني يتحدّر من الطائفة الدرزية الكريمة في الأردن.

ورغم تعثّر هذا الاتفاق، وتمنّع حكمت الهجري عن الاشتغال عليه، أو تنفيذ بنوده، أو المضي بها عمليّاً، إلا أنّ الوزير الأردني ما زال يُتابع جدّيّاً، وبكلّ فعالية ميدانية وسياسية، دفعاً لإمكانية تنفيذ التفاهم المُشار إليه، وخريطة طريقه المزمعة، والوصول إلى حلٍّ موضوعيٍّ يرضي الجميع ويخرج السويداء من عنق الزجاجة في سورية، ويمنع استمرار العبث في أمنها واستقرارها.

وهناك التفاهمات ومذكّرات التفاهم والاتفاقات الكبرى، وحرص عمّان ودمشق على بناء علاقات تجارية اقتصادية تخدم البلدين، وتبني علاقات اقتصادية مُستدامة بينهما. وقد جرى تفعيل (وتوسيع) مساحات عمل اللجنة العليا للتنسيق بين البلدين، علاوة على حرص الأردن وسورية المُلاحظ على إتمام كلّ المشاريع المُشتركة، ومنها مسألة التنسيق الأمني بين سورية والأردن، باعتبار أنّ البلدين عضوان مهمّان وجدّيان في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الداعشي، وقد كان التنسيق بين الطرفين على أعلى المستويات، والمتابعة اليومية في ذلك لا تقبل الشك أو التسويف، خصوصاً أنّ مسألة المخدّرات وتجّارها كانت الأكثر قلقاً بالنسبة للأردنيين، الذين عانوا كثيراً من انتشارها أيام نظام بشّار الأسد، لأنّ المملكة كانت بلداً للعبور نحو الخليج العربي، من خلال أذرع نظام الأسد وأدواته وتجّاره، من أصحاب معامل الكبتاغون الأكثر خطراً على المنطقة برمتها.

حرصت حكومة دمشق بعد كنس نظام الأسد على الاشتغال حثيثاً في عملية القضاء بشكل كبير على معظم تجّار المخدّرات وصنّاعها ومروّجيها، وبالتنسيق مع الحكومة الأردنية. ورغم استمرار هذه التجارة، إلا أنّ المُتابع يلحظ مستويات انخفاضها الكبير، وقدرة التنسيق المشترك القائم بين البلدين على الحدّ منها بشكل كبير، تمهيداً لإنهائها بشكل كامل.

أمام هذا المشهد الإيجابي في العلاقة بين الحكومتين، وضمن مفاعيل ذلك الأكثر تميّزاً، ماذا حصل حتى وصلنا إلى حالة من التعثّر والخراب وانقطاع التنسيق، وصولاً إلى تنفيذ عملية عسكرية بالطيران الأردني داخل حدود سورية في ريف درعا، أدّت إلى وقوع عشرة ضحايا مدنيين. وتقول وزارة الخارجية السورية إنّ العملية حدثت من دون أيّ عملية تنسيق أو إخبار لحكومة دمشق، ما أدى إلى كلّ هذا الحجم من إزهاق أرواح أطفال ونساء وشيوخ سوريين لا ذنب لهم في شيء.

يبقى السؤال: ما الذي دفع الأردن إلى ارتكاب هذا الفعل؟ الأردن التي كانت حريصة كلّ الحرص فيما سبق على التنسيق المباشر مع دمشق، في كلّ شيء، وهو ما حصل بحقّ أيام التصدّي المشترك لتجّار المخدّرات الموجودين في محافظة السويداء، أي خارج نطاق سيطرة الدولة السورية الجديدة. وكيف يمكن أن يحصل هذا؟ ويدفع إلى أن نصل إلى علاقات بين البلدين ليست في حالة جيدة، رغم حرص الطرفين على أن تبقى في أحسن حال.

السؤال الذي ما زال قائماً أيضاً: من أعطى هذه المعلومة الخاطئة لسلاح الجو الأردني، وأدّى إلى ما أدّى إليه من ارتكاب هذا الفعل المُدان إنسانيّاً على الأقل، عبر إخبارية مغلوطة وإحداثيات غير صحيحة، أدّت إلى هذا العدد من الضحايا المدنيين في درعا. ولا بُدّ أن نسأل هنا: من له المصلحة في خراب البصرة، وتعكير صفو العلاقة الجيدة بين دمشق وعمّان؟

إسرائيل هي الأكثر استفادة ومصلحة من خراب العلاقة التنسيقية الحسنة بين دمشق وعمّان، والمُتطوّرة جداً، وهي التي كانت في أشدّ القلق من استمرار تلك العلاقة، وقدرتها على الوصول إلى حالات مُتقدّمة من التعاون لا تريده إسرائيل بالضرورة، وليس من مصلحتها بكلّ تأكيد، وهي التي تعمل ما استطاعت، على تفتيت المُفتّت، والإيقاع بين الدول، وخراب أيّ تنسيق بين الأقطار العربية، حيث ترى في ذلك ضرراً في مصالحها وهيمنتها على الشرق الأوسط. يبدو أنّها هي من أعطى هذه الإخبارية المغلوطة، لتكون فخاً للأردنيين، ووضعتهم في موقفٍ لا يُحسدون عليه، أمام شعبهم، وكذلك أمام أهل حوران، والشعب السوري الذي سالت دماء أبنائه.

وندرك تمام الإدراك أنّ تشكيل لجنة للقيام بالتحقيق، والوصول إلى حالة من حالات جبر الضرر، وعدم ارتكاب مثل هذه الأخطاء مُستقبلًا، لن يكون حلاً ووضعاً للقطار على سكته من جديد، لكن بكلّ تأكيد فإنّ الثقة قد تزعزعت، ومن المُمكن أن تؤثّر على مسار العلاقات بين الحكومتين، إذ يقول بعضهم إنّه حتى لو تمّت المسامحة والمصالحة، فإن ما قبل عملية القصف الأخيرة على ريف درعا لن يكون كما قبلها.

أحمد مظهر سعدو/ “العربي الجديد”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى