إســـمـــــــي أمَـــــــل!

“المدارنت”..
يخبرني أصدقائي دومًا؛ أن لي من إسمي نصيبًا. مضى من عمري 39 عامًا، وأربعةُ حروب، وتصعيداتٌ لا أستطيع حصرها، حتمًا عرفتُم أنني فلسطينيةٌ، من غزّة.
أخبَروني دومًا أنني شاعرةٌ وروائيةٌ جيدة، وملقيةٌ رائعة، لي كثيرٌ من الإصدارات، مثَّلتُ فلسطين في مهرجاناتٍ عربيةٍ عديدةٍ، وحزتُ المرتبة الأولى على مستوى الوطن العربي في كثيرٍ من المرات.
أمٌّ لأميرتًين وفارسَين، ربّيتهم ثانيةً بثانية، حتى صار كلٌّ منهم مبدعًا في مجاله، وقدوةً في أخلاقه.
أكرمني الرحمن بشهادة الماجستير في اللغة العربية، بتقدير امتيازٍ مع مرتبة الشرف، وبشهادة البكالوريوس بالتقدير ذاته، الأولى على كلية الآداب.
عملتُ في كثيرٍ من الأماكن، في صناعة الجيل ورعاية المواهب، وفي عالم التَّدقيق اللغوي وإعداد الدراسات العلميَّة.
أنشأتُ مشروعي الخاصَّ قبل شهرٍ من بداية الحـرب، حلمي الذي عكفت على صناعة تفاصيله 17 عامًا، حتى وقف شامخًا متفردًا على هيئة روضة غرس الحديثة.
أكتبُ لكم الآن من خيمةٍ في جنوب البلاد، لا تقي بردًا ولا حرًّا، ولا تعالج حزنًا ولا قهرًا، ولا تدفعُ شظيةً ولا قصفًا، بعد أن هُجِّرتُ من بيتي الدافئ الذي فقدته، ومن مَكتبتي التي صنعتُها على عين الله، ومن حَارتي التي أُبيدت.
من تحتي فرشةٌ رقيقةٌ تلتصقُ بالرمل، الذي يترك أثره في عظامي بمنتهى القسوة، غير مبالٍ بالألم الشديد الذي يلازمني بعد العملية التي أجريتُها في ظهري قبل ثلاثة شهور، والتي أفشلتْها الحرب.
نعيشُ الآن حياةً كابوسها المتكرر هو (الطابور)، طابور فرن الخبز، طابور المياه المالحة، طابور المياه العذبة الملوثة، طابور الطحين الذي لا نراه، طابور الحمّامات، طوابير تذكرني برغد “الدلفري” الذي اعتدناه حتى لم نتخيّل أننا سنفقده.
لا يقتلني القصـف الآن، لكن يقتلني شبحُ الخوف على الأحبة الذين أصروا على البقاء في شمال غزّة، لقد نجوتُ من الموت مراتٍ كثيرةً؛ حتى لم أعد أخاف منه، لكنني لستُ واثقة إن كنتُ سأنجو من قلقي عليهم، إنها معركتي الأقسَى، أمام معارك الخبز والماء والدقيق والطعام والغسيل والبرد والقهر والمرض.
لديّ أحلامٌ كبيرةٌ، لكن أكبر أحلامي الآن أن أُلقي برأسي الممتلئ بالأفكار والدموع وأشياء أخرى في حضن أبي وأمي، وأن أُقَبِّل رأسَ ابنتي وزوجها، وأشم رائحة حفيدتي، وأمسح دموع أختي الوحيدة الثكلى، وأحتضن الأحبّة الباقين هناك.
لقد كنتُ من أواخر النازحين من غزّة، أغلقتُ خلفي بابَ المدينة الوحيدة التي انمسحت معالمها تمامًا، وفتحتُ في شراييني ألف نسخة منها.
أصارحكم.. ينهشني وحشُ الندم، أتظنُّ غزّةُ أنني تخلَّيتُ عنها؟ حاشا وكلا! أيتخلّى عاقلٌ عن عقله؟ أيتخلّى شاعر عن خياله؟ أيتخلّى عاشقٌ عن قلبه؟ غزّة التي تجري مني مجرى الدم في الوريد، مجرى النخاع في العظم، مجرى الماء في ضفاف النهر.
إنها غزّة التي كلما أحببناها أكثر؛ كلما قسَت علينا أكثر فأكثر، لكننا نعلم ذلك، فنصرُّ على أن نموت في سبيل حبِّها؛ متلبِّسين بهذه التُّهمة الشَّريفة، إنه الموت اللذيذ الذي نشرع رئتينا لاستقباله بتمام الشجاعة والحبِّ والرضا.
أكتب لكم؛ وأنا أعلم أننا لا نعني لهذا العالم الظالم شيئًا، لكن الكتابة هي المرض الذي لا شفاء منه.
“جَـنـــوب غَـــــزّة”



