إطلالة على مشهد الحراك العراقي/ اللبناني.. الجزء “3”

“المدارنت”..
كثيرة هي استهدافات هذا الحراك في العراق ولبنان، وقد وقفنا على أوجه منها في إطلالتنا الأولى والثانية. ومما لا شك فيه، أن هذا الحراك يستهدف فيما يستهدف الوجود الايراني، والمظاهر المختلفة لهذا الوجود، وتجلياته المتعددة الجوانب.
وبغض النظر عن المآلات الممكنة لهذا الحراك الشعبي، والمسارات التي يمكن أن يذهب فيها، فإن ما أصبح واضحا وضوح الشمس أن هذا الحراك بات يطارد هذا الوجود الإيراني، وباتت طهران تفقد وجودها وحاضنتها الشعبية في كل من العراق ولبنان بسرعة تزداد يوماً بعد يوما. وبات “الشيعة” العرب الذين حسبتهم يوما حاضتها الشعبية ينفضون عنها، بل ويتحولون إلى رافضين لها يَسِمونها بسمات العنصرية والطائفية والاحتلال، كما باتوا رافضين لنظريتها السياسية الدينية المتمثلة ب “الفقيه الولي، ولاية الفقيه”، والحصانة والعصمة التي تضفيها هذه النظرية على من يتولى هذا المنصب، وباتوا يصفون “علي خامنئي” بصفات الديكتاتورية والاستبداد، والعنصرية.
قبل الامتحان الذي دخلته ايران وأتباعها في العراق ولبنان. كانت الساحة السورية كاشفة لهذا المحور حينما تدخل بوجهه الطائفي العنصري إلى جانب النظام السوري، واستجلب معه جيوشا من المرتزقة الطائفيين من كل مكان في العالم. بدءاً من إيران والعراق ولبنان،وصولا إلى أفغانستان وباكستان، وأوغل هؤلاء جميعهم في الدم السوري دفاعا عن نظام مستبد فاسد وطائفي.
لكن ما يجري في لبنان والعراق يختلف من حيث البنية الجماهيرية عما جرى ويجري في سوريا. لذلك فإن أثره على إيران يختلف أيضا.
خسارة إيران لكل من العراق ولبنان واضحة،
ومثًلَ الموقف من إيران في كل من البلدين واحداً من تجليات الوحدة الوطنية التي أعاد الحراك الشعبي بناءها فيهما، أي أنه بالاضافة إلى محاربة الفساد ” نهب المال العام”، والطائفية، بات التصدي للوجود الإيراني مكونا ثالثا من مكونات هذا الموقف الوطني الجامع، أي مكونا عاما من مكونات الوحدة الوطنية في العراق وفي لبنان.
وهنا لا يعود مهما رصد الجهد الذي تبذله القوى الطائفية التابعة لإيران في البلدين، في محاولة منها للتصدي لهذا الوضع، وفي تغطية هذا الانكشاف الذي بات عليه الوضع الإيراني في البلدين. فمثل هذا الجهد الذي تصاعد عنفه إلى مرحلة ممارسة الإرهاب ضد هذا الحراك بات أثره سلبيا أكثر، وفاضحا أكثر للموقف الإيراني باعتبار ما يقوم به هؤلاء إنما يقومون به بتوجيه من المركز الإيراني. وفي أوقات بقيادة ميدانية مباشره من هذا المركز.
والذي يراقب الآلة الإعلامية المدافعة عن السياسة الايرانية، والمعبرة عنها سيكتشف بسرعة أن هذه الآلة على تعدد منابرها أصيبت بالعطب، وبان عوارها، وأنها بتناولها لوقائع الحراك الشعبي وتطوراته، وبالصفات التي تصف بها هذا الحراك تتخبط وتتناقض، ولم يعد يسعفها المنطق السابق حينما كانت ترجع كل تحرك أو نقد يوجه لإيران إلى القوى الغربية والاقليمية المتآمرة معها.
ومن الطبيعي أن يحاول الفكر السياسي فهم هذا التحول، هذا الانكشاف، وهذه التفكك والانقلاب الذي أصاب إيران في هذين البلدين.
نحن هنا نحاول أن نجيب على السؤال الرئيس: لماذا خسرت إيران حاضتها الشعبية في البلدين، وهل كان من سبيل أمامها كي لا تسقط في هذه الهاوية؟.
إن البحث عن إجابة حقيقية يستدعي النظر إلى النظام الإيراني الراهن، نظام الفقيه الولي/ ولاية الفقيه. كما يستدعي النظر إلى إيران نفسها، بغض النظر عن هذا النظام، أي النظرإلى الجغرافيا السياسية لإيران وما تولده هذه الجغرافيا من أوهام في التعامل مع المحيط ، أي مع الإقليم الذي تنتمي إليه.
نستطيع من دون عناء أن نسجل سلوكا عدوانيا لإيران مع محيطها. وخصوصا المحيط العربي، وليس بعيدا ذلك التاريخ الذي احتلت وسيطرت فيه إيران على عربستان/ الأحواز، كان ذلك في العام 1925 وبمساعدة مباشرة من البريطانيين الذين كانوا يحتلون المنطقة، وكذلك حين احتلت جزر الإمارات الثلاث “طمب الكبرى، وطمب الصغرى، وأبو موسى”، في 30 نوفمبر العام 1971، وأيضا بالتواطؤ مع بريطانيا، في إطار قرارها بالانسحاب من منطقة الخليج.
وليس بعيدا كيف كان شاه إيران يعتبر نفسه شرطي المنطقة، ويتعامل بكثير من الصلف والعدوانية مع دولها، وكان واحداً من الأدوات الداعمة: الناعمة والخشنة، المنفذه للاستراتيجية الأمريكية الصهيونية في مواجهة محاولات حركة النهوض العربي.
وحينما تحرك الشارع الإيراني في ستينات القرن الماضي ضد الشاه، ومتجاوبا مع الحركة الثورية العربية، كان التواصل طبيعيا بين قوى الثورة داخل ايران، وبين قيادة الثورة العربية متمثلة بجمال عبد الناصر، والقاهرة.
كانت نظرة القاهرة إلى هذا الحراك الشعبي تنطلق من اعتباره تعبيرا عن ثورة تحرر سياسي واجتماعي يتطلع إليها الشعب الإيراني، وخلال الاتصالات الأولية بين مندوبي هذا الحراك والقيادة في مصر كانت القاهرة حريصة حرصا شديدا على التأكد من هذه الطبيعة للثورة الإيرانية، وخصوصا في قضية الطائفية، والنظام المنشود، ولأنها كانت تدرك دور علماء الدين الإيرانيين في هذا الحراك الشعبي، وجهت إلى هؤلاء العلماء أسئلة محددة وطلبت عليها إيجابات محددة، ومن هذه الأسئلة:
** طبيعة نظام الحكم الاقتصادي والاجتماعي التي تبتغيه الثورة.
** الموقف من المشكلة الكردية.
** الموقف من الشيعة في العراق.
** الموقف من “اسرائيل”.
** الموقف مما أعلنه شاه إيران من أطماع في الخليج العربي.
وحين جاءت الإجابات مطمئنة للقاهرة، باعتبار ما يحدث في إيران ثورة تحرر شعبي وجزء من حركة التحرر في المنطقة، وفي بلدان العالم الثالث، بدأ التعاون، واتسع ليشمل كل صور الدعم.
هذا الرابط العربي/ الإيراني تعطل بفعل التحولات التي جرت على الأرض العربية حينما سلمت الراية العربية كلها إلى الجانب الأمريكي بدعوى أن بيده أوراق حل الصراع العربي الاسرائيلي، وباتت كامب ديفيد ، ومفاعلات كامب ديفيد تحكم المنطقة العربية.
ثم تعطل هذا الرابط كليا حينما تبنت السلطات الإيرانية بعد نجاح الثورة دستورا طائفيا لا يعتمد الإسلام أرضية له، وإنما المذهب الشيعي الإثني عشري، وبالتالي بات هذا الدستور يمثل جزءا محددا من الشعب الايراني، ثم اعتمد الدستور نظرية “ولاية الفقيه”، فباتت نظرة هذه السلطة الجديدة للساحة العربية نظرة استتباع، وبالتالي صار من أهدافها “تصدير الثورة”، وليس المقصود بالثورة هنا عملية التغيير الاجتماعي والسياسي لصالح الشعوب، وإنما السيطرة على هذه البلدان تطبيقا لنظرية “الفقيه الولي”، أي باعتبار هذه السيطرة تطبيقا لأمر إلهي، واستعادة لحق شرعي، وهنا لم يعد هناك وجود لأي حديث عن حركة تحرر وطنية أو قومية أو إجتماعية، وإنما هيمنة دينية مذهبية ذات طبيعة مقدسة.
وتتضح هذه الحقيقة بأجلى صورها حينما نتعرف على معنى ولاية الفقيه، والتي هي كما حددها الخميني: “نيابة الفقيه الجامع لشروط التقليد والمرجعية الدينية عن الامام المهدي في ما للإمام من الصلاحيات والاختيارات المفوضة اليه من قبل الله عبر نبيه المصطفى في إدارة شؤون الأمة والقيام بمهمة الحكومة الاسلامية”.
بهذا التحول انتهى واقع الثورة الايرانية باعتبارها ثورة شعب يريد أن يتحرر من ظلم الشاه، أو ما يمثله، ويريد أن يستعيد ثرواته التي نهبها النظام السابق، ويريد أن يبني نفسه ومجتمعه ومكانته بين الأمم على قواعد العدل والسلام والأمن، وبات أمامنا نظام يدعي قائده العصمة الإلهية، ويستمد كل شيء في هذا النظام مشروعيته من هذا القائد المعصوم، ويعتبر كل ما يقوم به إلهاما إلهيا، وتنفيذا لإرادة الله.
والذي يدقق في المكانة التي اتخذها “الولي الفقيه”، في هذا النظام، لا يجد صعوبة في إدراك أنها مكانة قد تعلو مكانة ” الرسول النبي” عند المسلمين، ومكانته في القرآن الكريم، فقد كان الوحي يتنزل على محمد صلى الله عليه وسلم يصحح ويراجع مواقف وتصرفات أقدم عليها نبي الله قبل يتنزل بها شيء ، لكن في حال الولي الفقيه، ما عاد هناك وحي يتنزل، وبالتالي ما عادت هناك مراجعة، وبات كل تصرف للولي الفقيه هو شأن ديني قاطع.
في حالة إيران اندمجت الروح الامبراطورية التي مثلها الشاه، مع الروح المقدسة التي قدمتها نظرية “الولي الفقيه”، لذلك صار وضع إيران الراهنة أصعب وأكثر عدوانية من وضع إيران الشاه، أو في العهد الصفوي السابق.
وإذا كانت النزعة الامبراطوية قديمة في التراث الفارسي، وكانت هذه النزعة من دوافع تحول إيران إلى المذهب الشيعي على يد اسماعيل الصفوي، لتتميز به عن المحيط الإسلامي السني الذي كان العثمانيون يمثلونه، فإن نظرية “ولاية الفقيه” ليست قديمة رغم أننا قد نجد جذورها في مرحلة الشاه طهماسب الاول (983 هـ،/ 1576 م.) الذي حكم بعد ابيه اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية في ايران (930 هـ/ 1524 م)، حينما دعا الشيخ علي الكركي (940 هـ/ 1534 م) وهو من علماء جبل عامل الذين التحقوا بالدولة الصفوية الشيعية الجديدة، لأن يعلن نفسه نائبا للإمام المهدي الغائب، ويقدم الدعم للشاه الجديد الذي كان صبيا عمره عشر سنوات حين آل الحكم إليه ، لكنه تحول سريعا ليكون من أقوى حكام فارس. وواجه حينها العثمانيين، واضطرهم لتوقيع معاهدة سلم بين الامبراطوريتين “معاهدة أماسيا 1555″، حدد فيها الحدود واستمرت مستقرة لثلاثين عاما.
ما فعله الشيخ الكركي انه قدم الدعم وعبر عن رضائه عن الشاه الفارسي بزعمه ” نائبا عن الإمام المهدي الغائب”، لكنه لم يخطُ خارج هذا النطاق، وبقي في اعتباره التشريعي خارج نطاق الحكم الزماني، أي انه اكتفى بتقديم إجازة شرعية ” باعتباره نائبا عن المهدي” للملك في سلطانه.
مع الشيخ أحمد النراقي (1245 هـ. 1830 م.)، خطت ولاية الفقيه خطوة جديدة إذ خصها هذا العالم بمبحث خاص، نص فيه على أن “للفقيه عصمة، تماما كعصمة النبي والامام إلا فيما فيه دليل من إجماع أو نص”، وبذلك دعا الشيعة إلى الدخول في “معترك السياسة والحكم ومغادرة مبدأ التقية”.
ثم تحولت نظرية ولاية الفقيه إلى نظرية كاملة في الحكم على يد الإمام الخميني ت 1989، وعليها أقيم نظام الحكم الراهن في إيران.وبات الولي الفقيه ” هو النائب عن الإمام المهدي فيما للإمام من الصلاحيات والاختيارات المفوضة إليه من قبل الله عبر نبيه المصطفى في إدارة شؤون الأمة والقيام بمهمة الحكومة الاسلامية، .. للفقيه العادل جميع ما للرسول والائمة مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ولا يعقل الفرق”.
خارج هذه المحطات لا يعرف تناول معتبر لفكرة، ومن ثم نظرية ولاية الفقيه المطلقة “أي تقدم الفقيه الولي المعصوم لتسلم الحكم”، في الفقه الشيعي، الذي كان مستقرا على فكرتي التقية، والابتعاد عن الحكم، وما يتصل به من أحكام، والباحث سيجد مبحث ولاية الفقيه بالمعنى الذي صاغه الخميني في كتابه ” الحكومة الاسلامية وولاية الفقيه”، مفتقدا عند كبار فقهاء المذهب الشيعي المعتمدين من أمثال محمد بن يعقوب بن اسحق الكليني” ت329 ه ، 941 م” صاحب كتاب الكافي، والشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي الحسين بن موسى بن بابويه (381 هـ، 991 م.)، صاحب موسوعة الحديث “من لايحضره الفقيه”، والطبرسي ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (468 هـ، 1154 م.)، صاحب تفسير “مجمع البيان في تفسير القران” ، والشيخ محمد حسن النجفي (1265 هـ، 1849م .) صاحب كتاب جواهر الكلام، والشيخ الانصاري، مرتضى بن محمد امين بن شمس الدين بن محمد شريف الانصاري الدزفولي (1284 هـ، 1864 م.)، صاحب كتاب “جواهر الكلام”.
كما أن العديد من فقهاء الشيعة المعاصرون لم يقفوا إلى جانب هذه النظرية التي اعتمدها وأعاد صياغتها الإمام الخميني، وهنا تبرز أسماء علماء من أمثال محمد قاسم شريعتمداري، حسن علي منتظري، ابو القاسم الخوئي، ومحمد حسين فضل الله، ومحسن الحكيم، وعلي السيستاني، عبد الحميد المعصومي. وذهب الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى أن “ولاية الفقيه”، تخالف أصول الإمامة، وأنه لاعصمة للفقيه ، وافتراض العصمة في الولي الفقيه سيؤدي الى أنواع متعدد من الطغيان أهمها الطغيان السياسي، وأن ” الأمة هي الولية على نفسها” عبر الأجهزة التشريعية التي تقيمها.” كتاب ولاية الامة على نفسها مقابل نظام ولاية الفقيه العامة”.
ما تناولناه هنا بشأن نظرية “ولاية الففقيه”، لا يمثل بحثا فقهيا لهذه النظرية، التي لاوجود لها في المذاهب السنية، فليس هذا شأننا ، وليس هذا المقال مكانه، كما لا يمثل موقفا أو حكما على هذه النظرية في أصولها، فمثل هذه البحوث شأن المجالس العلمية، ولكنا تناولناها من خمس زوايا محددة ذات صلة بما أحدثه ” ولاية الفقيه” من تأثيرات في حاضرنا:
الأولى: أن النقطة المحورية في هذه النظرية تتمثل في ” الحكم / الحكومة، وفي العصمة”، وليس في الولاية الشرعية الفقهية، وهما “الحكومة والعصمة” مدخل الاستبداد السياسي والاجتماعي.
الثانية: تبيان أنها نظرية محدثة أو طارئة على فقه الشيعة الإثني عشرية، الذي اعتمد منذ الغيبة الكبرى بعد وفاة رابع نواب الإمام محمد بن الحسن العسكري عام 329 ه، مبدأ التقية، والابتعاد عن الحكم.
الثالثة: أن ولادتها كانت في إطار التعامل مع السلطة، بتقديم الدعم إليها أولا، ثم تطورت بالسيطرة عليها، وقد جاءت هذه الولادة في نطاق الدولة الشيعية الفارسية، وفي حمأة مواجهة الدولة السنية ممثلة بالدولة العثمانية. أي أنها ولدت في إطار عملية توظيف سياسي، وليس بدافع اجتهاد فقهي.
الرابعة: أنها بالمفهوم الذي طرح ترفض وتتجاوز ما عرف حديثا بالدولة الوطنية، ولا تقيم أي اعتبار لها، وتضع نفسها موضع “الولي المهيمن” على كل الشيعة الاثني عشرية في كل مكان في العالم، و”الهادي والمستعيد” إلى طريق الصواب والشريعة الحقة كل المسلمين في العالم، ومعظم هؤلاء من “المسلمين السنة”، أي أن الولاية متحققة لها على كل الشيعة، ومطلوب بسطها بكل الطرق الممكنة على كل المسلمين.
الخامسة: أن هذه النظرية بهذا الاعتبار لم تكن محل إجماع لدى فقهاء الشيعة المعاصرون، بل إنهم إذ اتفق أغلبهم على مقارعة حكم الشاة، فإنهم اختلفوا في معنى وحدود مفهوم ولاية الفقيه.
ما سبق يفسر لنا ما فعله ويفعله النظام الإيراني في العراق ولبنان وسوريا واليمن، يدفعه نزوع إمبراطوري، وفرت له نظرية “ولاية الفقيه ” القدسية اللازمة ليكون معصوما عن كل خطأ، ومتعاليا على كل نقد، ومطلق اليد من كل قيد، وملزما لكل شيعي أو مسلم غير شيعي ، باعتبار الأول تابع، والثاني مستهدف.
ولأن حكومة ولاية الفقيه، هي الحكومة المقدسة، فإن توفير الدعم والأمان لها يصبح مقدما على كل شيء آخر، وهذا يعني بالتحديد، أن الثروات، والتحالفات، والمعارك، والانجازات، كلها لها معيار واحد، هو مقدار ما تخدم تلك الحكومة المقدسة، ولها مصدر مشروعية واحد، مستمدة من ” الولي الفقيه “، وهكذا تعامل النظام الايراني مع ثروة العراق وشعبه، وهكذا مول النظام الايراني جزءا كبيرا من تكاليف تحركه في محيطه الاقليمي من ثروات العراق. ونحن نجد هذا المعنى واضحا في تصريحات الأمين العام لحزب الله اللبناني، وفي تصريحات قادة الميليشيات العراقية الشيعية.
إيران تحت “ولاية الفقيه”، انتقلت من دولة إقليمية كبرى ذات مطامح وتطلعات امبراطورية، وهي ما كانت عليه زمن الشاه، إلى دولة إقليمية كبرى تحمل مشروعا متكاملا للسيطرة على المنطقة كلها، ولإعادة رسم دورها في خريطة العالم بناء على هذا التصور.
ولعله من هذا الزاوية جاءت محاولات إيران الدؤوبة لبناء قوة نووية لها، واستعدادها لأن تدفع أثمانا باهظة للوصول إلى هذا الهدف، وهي تعلم ـ وعلمها صحيح ـ أن التحول من مجرد قوة إقليمية إلى قوة دولية، متوقف على أمور عدة منها بالتأكيد ـ إمتلاك السلاح النووي ـ ليس بهدف استخدامه ـ فاستخدام السلاح النووي جنون ما رسته الولايات المتحدة فقط حينما كانت لوحدها تملك هذا السلاح ـ، وإنما لما يوفره هذا السلاح من حصانة في مواجهة الغزو والعدوان الخارجي، وبما يمثله من إرهاب للقوى الأخرى. وبما يفرض لمالكه من مكانة على طاولة النظام العالمي.
ومشكلة هذا التحول أنه قائم على غير أساس متين:
فنظرية “ولاية الفقيه”، على النحو الذي جسده النظام الايراني باتت نظريه حكم استبدادي مقدس، وبالتالي غير قابل للمراجعة، والحكم المقدس هو أعلى اشكال الحكم المستبد، والاستبداد هو أحد المداخل الرئيسية للفساد، وهو قرين له.
ونظرية “ولاية الفقيه”، هي نظرية للشيعة الإمامية، وهي بالشكل الذي جسده النظام الايراني لست محل اجماع بين فقهاء المذهب، لذلك ظهر فقهاء معارضون لها، وكانت أولى الصدامات الدامية مع هذا النظام بعد أن تم القضاء على نظام الشاه كانت مع الفقهاء المعارضين، الذي تم قتلهم أو التنكيل بهم.
وقدسية نظرية ولاية الفقيه تسبغ على النظام الآخذ بها مسؤولية أنه ممثل لجميع ” الشيعة”، وهو تمثيل مصدره ومرجعه ” الله”، لذلك لا مراجعة له، وكذلك فإن هذه القدسية تفترض أن المسلمين الآخرين الذين لا يأخذون بالمذهب الشيعي، ناقصو العقيدة ” هذا إن كان من الجائز إطلاق وصف ـ ناقص عقيدة ـ إذ العقيدة بطبيعتها لا تقبل التجزئة”، وعلى سلطان الله في الأرض ” الولي الفقيه” أن يسترد هؤلاء إلى حظيرة الاسلام. ونحن نرى هذا واضحا في طريقة تعامل النظام الايراني مع ” السنة” في إيران ، ومعهم في العراق واليمن، وكذلك في سوريا.
ولنأخذ العراق مثلا: لقد سقط النظام العراقي بفعل الاحتلال الأمريكي، وتم تفكيل الدولة العراقية، بقرار من هذا الاحتلال، وقام الاحتلال بإعادة تركيب هذا البلد على أساس طائفي وعرقي، ودون أي صراع ذي قيمة سلم الأمريكيون العراق الى الميليشيات الشيعية التابعة لايران، ومنذ ذلك الحين يشهد العراق ظاهرتين متلازمتين تلازم ارتباط:
** نهب مستمر وغير مسبوق لثروة العراق تقوم به تلك القيادات العميلة، نهب مفتوح دون حدود على إيران وعلى احتياجات النظام الايراني، وبرامجه في سوريا واليمن ولبنان، وحتى السعودية والبحرين.
ونحن حين نتحدث عن العراق فإننا نتحدث عن دولة بالغة الثراء، تملك من الامكانات ما لا يتوفر لغيرها، وقد تركتها هذه العصابة التي جاءت مع الدبابات الأمريكة قاعا صفصفا، وبات العراقيون يعيشون عوزا لا مثيل ولا سابقة له، لقد تم تدمير العراق والتخلص من علمائه ومثقفيه بالتصفية والتهجير، ونهبه تحت إشراف وتوجيه القيادات الإيرانية، إذ ليس مطلوبا أن يكون العراق بعد صدام حسين قويا كدولة، ومتماسكا كشعب، وإنما المطلوب أن يبقى منقسما فقيرا مشتتا.
** تنسيق دائم أميركي/ إيراني “أمني وعسكري” على أرض العراق، وهذا التنسيق يختصر رؤية الطرفين: واشنطن وطهران، للعلاقة الإقليمية بينهما. والتخادم الجاري بينهما، والذي يكشف حدود الصراع ومساحة اللقاء. وتحت عين وبصر الايرانيين يظهر التواجد الاسرائيلي في العراق كله وليس في شمال العراق حيث سلطة الأكراد.
أميركا لا تجد نفسها متصادمة مع المشروع الإيراني، وهي ما تزال ترى في إيران عنصر من عناصر استقرار استراتيجيتها في المنطقة، وهي ـ على المدى الاستراتيجي ـ تطمئن لها ولدورها أكثر مما تطمئن لحلفائها التقليديين تتقدمهم المملكة العربية السعودية، الخلاف الأمريكي الايراني خلاف على المدى، وعلى تأمين عناصر الانضباط وفق الرؤية الأمريكية. ورفضها لامتلاك ايران للسلاح النووي يأتي من هذه الزاوية، زاوية ضبط التطلع الايراني، وحصره في الحدود التي تريدها واشنطن، ومن هذه الزاوية أيضا هي لا تخشى على “اسرائيل من إيران”.
العراقيون، عموم العراقيين، ـ فيما عدا العصابة الحاكمة ـ أول من تعرف الى هذا النوع من العلاقة بين المحتل وطهران والعصابة الحاكم، وأول من اكتوى بمخرجات هذه العلاقة، وأول من ذاق الهوان الذي تخلفه على المستويات كلها الانسانية والحياتية والوطنية، وأول من أدرك أن “ولاية الفقيه” أداة تحكم وعدوان على الشخصية العراقية وعلى الهوية العربية الاسلامية لهذا البلد، لذلك رأينا هذا التحرك الشعبي الحاسم ـ وفي المقدمة منه شيعة العراق ـ ضد كل مكونات النظام القائم ودعائمه من احتلال أمريكي إلى سيطرة إيرانية.
ولبنان مثلا: الآلية نفسها تمت في لبنان، لكن في لبنان حلً النظام السوري محل الولايات المتحدة ، وصعدت القضية الوطنية الكبرى الممثلة بمواجهة الاحتلال الاسرائيلي لتكون القضية التي يقدم من خلالها الفعل والعطاء الإيراني، وفي ختام هذه المسيرة وضع لبنان كله تحت هيمنة حزب الله ، وباتت صياغة الحياة السياسية والاجتماعية تتم في خدمة هذه الهيمنة ورعاية لها.
ونتيجة الرعاية والدعم غير المحدود المقدم للحزب من ايران، ومن ثم من النظام السوري ، احتكر حزب الله قضية المقاومة وفكرتها، حتى بات متماهيا معها، فصار أي حديث عن المقاومة يعني حديثا عن حزب الله، وبالتالي حديثا “جبهة المقاومة”، وكان هذا مقصودا منذ البدء، منذ أن حدث الانقلاب داخل حزب الله لصالح ايران ولصالح تسلم الشيخ حسن نصر الله منصب الامين العام للحزب عقب اغتيال الأمين العام للحزب عباس موسوي في العام 1992 بدل الشيخ صبحي الطفيلي وهو الامين العام للحزب منذ انشائه عام 1983وحتى انتخاب الموسوي عام 1984 ، ومنذ أن تدخلت سوريا لوقف الصراع بين حزب الله وحركة أمل الممتد بين عامي 1988 ـ 1990 حول حق تمثيل الشيعة في لبنان.
ورغم أن مسيرة مقاومة العدو الصهيوني ، واحتلاله للأراضي اللبنانية لم تتوقف، وشاركت فيها كل القوى الوطنية والقومية واليسارية اللبنانية فإن إصرار حزب الله على أن يخص نفسه بالمقاومة، ويضع حسابات النصر التي حققها في خانته، كان إصرارا واضحا وغير قابل للمراجعة، ولم يخف على المتابعين أن الحزب ” المقاوم ” كان حريصا على جعل المقاومة ليس فقط شيعية، وإنما شيعية على مقاسه، فلم يسمح للقوى الاخرى غير الشيعية أن تتقدم في مسار المقاومة ولم يسمع للشيعة من غير حزب الله مثل حركة أمل أن تتقدم على هذا الطريق.
لقد أريد للمقاومة أن تنحصر في هذه الحدود فتكون شيعية على المقاس الإيراني وبالتالي السوري.
ولأن مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، ومقاومة العدو الصهيوني، قضية مقدسة في الوجدان العربي فقد ارتقى حزب الله، وأمينه العام في هذا الوجدان مراقي ما بلغها من قبله أحد ، منذ رحيل جمال عبد الناصر، وبسبب هذه المقاومة، وبسبب قدسية قضية فلسطين تغاضى الكثيرون عن التركيبة الطائفية للحزب، وعن التبعية التي لم تكن تخفى لايران، وعن العلاقة الحميمية مع النظام السوري باعتباره ممرا لابد منه لمساعدة المقاومة وحماية ظهرها، وساعد على بلوغ هذا المحور المكانة التي بلغها أن ذلك كله حدث في وقت بلغ فيه النظام العربي الدرك الأسفل من التبعية للغرب، ومن الصغار أمام الاستكبار الغربي والاسرائيلي. وبات الحضور الاسرائيلي ثابت في حركة النظام السياسي العربي.
لكن هذا لم يستمر كثيرا، فقد كشفته أولا الجرائم التي ارتكبها هذا الحزب على الساحة السورية حينما شارك النظام السوري ومعه حشد من الميليشيات الطائفية من العراق وغير العراق في كل الجرائم التي ارتكبها هذا النظام ضد سوريا شعبا وارضا وحضارة ووجودا.
وعايش المواطن اللبناني أثر ما يقوم به حزب الله على حياته اليومية، وكيف أن هذا الحزب المهيمن على الحياة السياسية في لبنان، بات مهيمنا على مختلف أوجه النشاط الاجتماعي والاقتصادي، وبات حاميا لشبكات الفساد فيه، وهي شبكات أركانها محددة جدا ومعروفة جدا لدى كل اللبنانيين ،وبات يربط لبنان ربطا محكما بمجريات الوضع في ايران وسوريا، وحين خرج الأمين العام لحزب الله (السيد حسن نصر الله) على شاشات التلفزة يتحدث عن الأزمة الاقتصادية في لبنان، كان واضحا في القول أنه وحزبه غير متأثرين بالأزمة، لأن كل احتياجاته توفرها إيران، وصاغ معادلته المغلوطة قائلا : لن يقايض انفراج الوضع الاقتصادي بالمقاومة، ومشروعاتها وتحالفاتها.
الشارع اللبناني حين خرج وتمسك بشعار “كلن/ كلهم”، كان يدرك ما يريد، ومن يواجه “الطائفية، الفساد، والتبعية للخارج”، وكان الحضور “الشيعي” في هذا الشارع واضحا، وكانت شعارات الازدراء تطال الجميع من الضاحية الجنوبية الى طهران، ومن منصب رئيس الجمهورية الى منصب رئيس الوزراء الى كل الأحزاب والقوى ، وفي قلب كل ذلك النظام الطائفي نفسه.
خاتمة:
فيما سبق حاولنا الإجابة على سؤال لماذا خسرت ايران حاضنتها الشعبية في كل من العراق ولبنان؟، وهل كانت خسارتها هذه نتيجة أخطاء في الحركة، أو سوء في التطبيق ، ام نتيجة طبيعية لمنهج في الحركة، ولرؤية حكمت هذا المنهج؟، وخلصنا إلى أن ما آل إليه الوضع الإيراني في محيطه إنما هو نتيجة طبيعية لتزاوج نظام”ولاية الفقيه” مع النزعة الامبراطورية للنظام الايراني، وأن نظام ولاية الفقيه ألبس تلك النزعة التوسعية العدوانية لباسا دينيا مقدسا، فبات أكثر خطرا من كل نظام سبقه.
ومن المهم أن نشير هنا الى أن هذا النظام لم يخسر حاضنته الشعبية في البلدان المحيطة، وإنما فقد هذه الحاضنة، في الداخل الايراني، وما الاحتجاجات التي تشهدها إيران في مواجهة الاستبداد والفساد والنزعة التوسعية إلا مظهرا من مظاهر هذه الخسارة.
وليس أمام هذا النظام إلا أن يخسر بيئته الحاضنة داخل ايران وخارجها، الفساد، والاستبداد ، والقدسية، لايمكن أن تولد إلا حركات الرفض والمقاومة، وما دامت السلطة القائمة متمسكة بنظرية ولاية الفقيه، وما دامت تنظر إلى “الآخرين” نظرتها إلى ضالين تريد أن ترجعهم إلى الحظيرة، وما دامت تعطي “الولي الفقيه” مكانة لم يأخذها إلا الأنبياء، أو الأئمة المعصومين “وفق الفقه الشيعي” ، فإن الناتج هو الاستبداد المطلق.
ومثل هذا النظام على استعداد للتضحية بالملايين حتى يحتفظ بسيطرته، وهذا الذي نقوله لا يستند الى مجرد التحليل، وإنما تصريحات الكثير من قادته جاءت على هذا النحو. ما يعني أن ثمن إحداث نغيير في النظام سيكون باهظا، لكنه أمر لابد منه، ولا مناص من حدوثه.
ومن المهم أن نختم هذا العرض بتأكيد أن ما قمنا به هو محاولة تحليل وقراءة للنظام القائم في إيران، أي أن المسالة فيما عرضنا لا تخص الشعب الإيراني، الذي هو شعب جار لنا في الجغرافيا، وشعب مسلم أخ لنا في العقيدة، وشعب ننتمي وإياه إلى فضاء واحد يقوم على مصالح مشتركة ، وأمن مشترك ، وأرضية ثقافية وحضارية مشتركة، كما وأن أي تصور استراتيجي لنهوض منطقتنا، المنطقة العربية والاسلامية لابد أن تكون غيران من ضمنه، بدورها ، وعطائها، وثرواتها، وقدراتها المتنوعة.
كما أننا فيما عرضنا لم نكن نتحدث عن المذهب الشيعي ، فإن هذا المذهب أحد مذاهب الأمة، وفقهه من مدارس الفقه الإسلامي الستة، وأئمته المؤسسون هم أساتذة ومعلمون لمؤسسي مدارس الفقه السني، وحينما وقفنا على نظرية “الولي الفقيه”، وقفنا عليها من زاوية النظام السياسي الذي عملت على صياغته في إيران، وهي كنظرية لا تمثل شيئا معتبرا في تاريخ الفقه الشيعي، وقد بقي هذا الفقه بعيدا عن مثل هذه النظرية منذ تكون قبل خمسة عشر قرنا، ولم يعبهُ ذلك، ولم يعتبر نقصاً فيه، بل كان الفقه الشيعي في كل التاريخ السابق أكثر قدرة على التفاعل مع أحداث الوطن الإسلامي والعربي على اختلاف الظروف التي مرت بها أقاليم ودول هذا الوطن.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



