إعلاميون يشيدون باعتصام الصحافيين أمس ويشدّدون على ضرورة متابعة الخطوة
الإعلام اللبناني في خطر، ولا سيّما الصحف اليومية المطبوعة ورقياً. هذا هو باختصار واقع “السلطة الرابعة” في لبنان، هذه السلطة التي كانت في يوم من الأيام صانعة للحدث السياسي، وليست ناقلة له فقط، هذه السلطة التي كان وما يزال الكثيرون يخشونها، في صَحوتِها وفي كبْوتِها، لأنهم يعرفون جيّداً ما هي نتائج التطاول على السلطة الرابعة، وتداعياتها على من يحاول التجرؤ عليها.

هذا ما أكده اعتصام العدد الكبير من الإعلاميين والعاملين في قطاع الإعلام عموماً في ساحة الشهداء أمس، تلبية لدعوة نقيب محريري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي، الذي استشعر الخطر الكبير المحدق بالإعلاميين عموماً، والعاملين منهم في الإعلام المكتوب، بعد أن أقفلت عدة صحف محلية عريقة أبوابها، وانضم موظفوها الى العديد من اللبنانيين الذين يحملون صفة مُعَطَّلين عن العمل، وعقب التهديد الواضح الذي يَشِي اليوم وكلّ لحظة بإمكانية إقفال إحدى القنوات التلفزيونية (المستقبل)، بعد تخلّف أصحابها وإدارتها عن تسديد مستحقات موظفي القناة، من إعلاميين ومخرجين وتقنيين ومصوّرين وعمال وحراس وغير ذلك، لفترة طويلة، إضافة الى احتمال إقفال بعض الوسائل الإعلامية التي تقف عند حافة الهاوية. حول هذا الإعتصام ـ الحدث، والذي يُنفذه الصحافيون لأول مرّة في ساحة الشهداء في لبنان، من أجل رفع الصوت عالياً، لأنهم عجزوا عن الاستمرار في تحمّل آلام وأعباء مهنة المتاعب وأهوالها، وليس من أجل الآخرين كما درجت العادة، ومن أجل قضايا الناس.
التقى “المدارنت” عدداً من الزميلات والزملاء، بعضهم عانى من الصرف التعسّفي، ومن الظلم والمشكلات التي تعوّق حصوله على مستحقاته، وعدد آخر فضّل المشاركة في الاعتصام مؤازراً الزملاء والزميلات، مؤكداً تضامنه معهم ومع قضاياهم ومطالبهم المُحقة.

وقالت رئيس تحرير موقع “Nextlb.com” الزميلة إكرام صعب: “إن الاعتصام خطوة يجابية، نأمل أن نصل معها الى نهايات ممتازة، وكان يجب أن تحصل هذه الخطوة في العام 2016، الذي شهد إقفال اكثر من صحيفة محلية مقروءة، وصرف عدد من الزملاء الصحافيين، ونحن منهم”، مشيرة الى أن “اللافت في الاعتصام هو موقع في ساحة الشهداء، الساحة التي كنا نكتب كصحافيين عن كل العالم منها، وخصوصاً قرب النصب التذكاري للشهداء، ولا سيّما شهداء الصحافة”.
وتابعت: “المطلوب من السياسيين الذين تنتظر الناس أخبارهم من وسائل الإعلام، ألاّ يتركوا الصحافيين في منازلهم ويتخلّوا عنهم، متجاهلين الالتفات الى مصادر رزقنا وطبابتنا وشيخوختنا”، لافتة الى اننا “كنّا وما زلنا السلطة الرابعة، مهما غزت وسائل التواصل الاجتماعي هذه المهنة”، داعية الى “التمييز بين الصحافي المحترف المسؤول عمّا ينشره، والمواطن الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي من دون اي مسؤولية أو دراية بأصول العمل الإعلامي، والذي لا يعرف كيفية التعاطي مع الصورة أو الخبر”.

وتمنّت على “الدولة والسياسيين الذين لم نتركهم ألاّ يتخلّوا عنا”، لافتة الى أنها “كانت تأمل أن يتواجد عدد من السياسيين والوزراء والنواب مع الصحافيين في ساحة الشهداء، ما نقف الى جانبهم دائماً، من دون أن توجّه اليهم دعوات، وأن يشارك كل الزميلات والزملاء الذين صُرفوا من وسائل الإعلام”، مشيرة الى أن “المشاركين في الاعتصام كانوا من كل الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة والالكترونية، ومن كل الاتجاهات السياسية، ويمكن القول انهم من الصحافيين الأحرار البعيدين عن الاستزلام “.
بدورها، أشارت الزميلة فاطمة حوحو (محررة سابقاً في صحيفة المستقبل منذ تأسيسها)، الى أن “اعتصام نقابة المحررين سيكون شكليا ما لم توضع خطة واضحة لمجموعة تحركات لاحقة، من اجل حماية المهنة، التي تحتاج ليس للدعم الكلامي وإنما الى سلسلة من التدابير، وابتداع وسائل ضغط مبتكرة تأخذ بعين الإعتبار استخدام مواقع التواصل الإجتماعي”، موضحة أن “الدعوات الى الاعتصام كانت عبر اتصالات قام بها النقيب مشكورا ببعض الإعلاميين، وليس بكافة الزملاء، وهذا ما عكسته الفئة العمرية للمشاركين، وغاب عن المشاركة الجيل الشاب، وزملاء هم اليوم في أزمة ويعانون في سبيل تحصيل حقوقهم”.

وتابعت: “واجب النقابة ان تسعى بجدية من اجل صندوق تعاضدي، ومن أجل الضمان الصحي، وإلزام الشركات ومواقع العمل توظيف إعلاميين في قطاعاتهم، وهذه مطالب تحتاج إلى خطة يشارك فيها أصحاب العلاقة مباشرة، عبر تشكيل لجان تتحرك على أكثر من جبهة، لتحقيق ما يمكن أن يفيد الصحفي ويضمن له حقوقه وكرامة للعيش”، لافتة الى أن “نقابات الصحفيين في أوروبا وبعض الدول العربية حققت الكثير من التقدم في تحصيل حقوق الصحفيين، أهمها بطاقات السفر وحجز الفنادق والضمان الصحي، حتى للعاملين (فري لانس)، بينما نحن نسمع الكثير، ونخسر ما كان موجوداً.
ودعت “نقابة المحررين الى زيارة الصحفيين في مواقع عملهم، والتعرف على مشكلاتهم ودعوتهم الى النقابة في اجتماعات دورية، لنقاش كل ما يتعلق بهذه المهنة التي يتآمر عليها رجال السياسة والأحزاب الحاكمة”، مضيفة “الأسئلة كثيرة والأجوبة معلقة بإنتظار ان تفتح النقابة ابوابها، وان تكسب ثقة الصحافيين على مختلف انتماءاتهم، والخروج من 6 و 6 مكرر الى آفاق جديدة وتركيبة مختلفة، تضمن الإهتمام بالشأن المهني والحقوق، وتسعى إلى حفظ مصالح الصحافيين”.

وأكد الإعلامي في قناة “LBC” الزميل يزبك وهبي، أنه “كان لا بد من اعتصامٍ لرفع الصوت، وايصال الصرخة الى المعنيين، والقول أن الصحافة تعاني كثيراً”، مضيفاً “لا شك أن حجم المشاركة كان كبيراً، والتغطية من معظم المؤسسات الإعلامية، وأن مشاركة ممثّلي الاحزاب دليلٌ على الاهتمام”.
وقال: “ليس من السهل على الدولة التي تعاني خزينتها وموازنتها من ضغطٍ وعجز، ان تنشئ صندوقاً للتعاضد او لتقاعد الصحافيين، ولكن لا بد من المطالبة به، والتأكيد كذلك على الاسراع في إقرار قانون جديد للإعلام، يأخذ بعين الاعتبار المستجدات في الاعلام الرقمي، والتواصل الاجتماعي، والمواقع الالكتروني، ساعتئذٍ، يتم تشريع وسائل الإعلام الالكترونية، ويُفتح الباب امام تأمين عمل للإعلاميين الجدد”.

من جهتها، قالت الزميلة نهاد طابوليان (محررة سابقاً في صحيفة الأنوار): “عملياً، يُسجل لنقابة المحررين، ولا سيما النقيب جوزف القصيفي إيلاء ملف الاعلام بكافة أجنحته هذا الاهتمام والمتابعة، في ظلّ ما نشهده ليس فقط من إقفال لمؤسسات إعلامية عريقة، وتشحيل في مؤسسات أخرى، إنما من إهمال وتغاض واضح للمسؤولين اللبنانيين، الذين للأسف، لم يحركوا ساكناً في معالجة الأزمة بطريقة جذرية، وعلى نحو يحافظ على الكلمة الحرّة والرسالة الاساسية للاعلام”.
وتابعت: “بالتالي، إن هذا الاعتصام وما تخلله من عرض مسهب لمطالب النقابة، والتي هي مطالب جميع الإعلاميين، خطوة مهمة جداً، لأنها تدقّ ناقوس الخطر لما ينتظرنا كإعلاميين، من إسقاط لحقوقنا في هذا الزمن الصعب”، مشيرة الى أن “الأهم، هو تلاشي المفهوم الأساسي لما تمثله السلطة الرابعة في لبنان، على حساب تطوّر تقنيات العصر الرقمي، الذي أخذ بدربه الصحافة الورقية لصالح الصحافة الالكترونية، والتي للأسف، لم تحمل تجربتها لغاية اليوم انتاج صحافيين على قدر المسؤولية”.
وختمت: “من هذا المنطلق، اعتبر الاعتصام صرخة، بما حملته من مطالب مُحقة من المعنيين”، آملة أن “تستتبع بخطوات لاحقة، وإن اقتضى الأمر اعتصام مفتوح، لإعادة الاعتبار الى مهنة المتاعب ورسلها، ليستعيد لبنان ما فقده”.

وأشار أمين سرّ “نقابة مخرجي الصحافة ومصمّمي الغرافيك” الزميل أرنست بعقليني، الى أن “طموحنا أبعد من الاعتصام”، مضيفا “دعينا الى تأسيس اتحاد يضم النقابات العاملة في حقل الإعلام، (المحرّرين والصحافة ومخرجي الصحافة والمصورينوموزعي الصحف”، مؤكدا ان “الغاية من المشاركة في الاعتصام هي إيصال الصوت، بعد أن كان لبنان عاصمة الصحافة بات عاصمة السواد، ووصلنا الى الحضيض”، محمّلاً “الدولة مسؤولية ما يحصل لهذا القطاع”، لافتاً الى أن “الدول تدعم الإعلام”، مؤكداً “تأييد نقابة مخرجي الصحافة لبيان النقيب القصيفي”.



