مقالات
إلـــى مـحـمّــــد مـيـقـــاتـــــي..

خاص “المدارنت”..
بدأتها بلا ألقاب تماشيًا مع دعوتك “بدنا نتحمّل بعض”، فليتك تتحمّلني.
وبإمكانك أن ترسل من سيكشف على مصداقية كلامي، ولنتحمّل بعض، كما تطلب منا!
أسكن شقة في بيت أهلي الذي عمرناه جميعًا، وتحملنا بعضنا فيه على مدار خمسين عامًا، نحن التسعة أبناء لأبوينا، خمس بنات وأربعة أبناء.
هذا البيت الذي تجاوز الخمسين سنة، لم يبق فيه جدار لم يتصدع، ولا سقف لم يتشقق، وهو آيل للسقوط في أي لحظة، ولطالما رجوناه أن يتحملنا! ولم يستجب.
لي فيه أخت، خمسينية، مريضة بسرطان المثانة بدرجة متقدمة، وقد انتشر في كافة أنحاء جسدها.
ولي أخ أربعيني مريض بسرطان الدماغ في أيامه الأخيرة.
فتحمّلنا، واجر حسبة تكاليف علاجهما من حزن وهم وارتباك وتعب نفسي ودواء وعدم تخل،
فهل يمكنك تقاسم هذا التحمّل معنا على الأقل نفسيًا، ونحن بغنى عن مالك الحرام، انت وربك الذي قلت فيه: “هذا من فضل ربي”؟!

ولي أخ يعمل سائق فان بالأجرة، وله أسرة يتحمّلها ولا تتحمّله، ولي أخت تقاعدها 700 ألف ليرة، تتحمل جوعها، وكبرها وعجزها، دون أن يتحملها أي منّا، نحن العاجزون، وأيًّا من مصابها، فهلا تحملت معنا قليلًا؟!
عن يساري جار منذ عامين بلا عمل، وهو أب لعائلة تبيت معظم أيامها بلا طعام، وأبوه مريض، وهو يتحمل علاجه، وإطعامه والإنفاق عليه.
وعن يميني جار، كان على باب الله الذي اغلقتموه بسرقاتكم، وأمه الثمانينية معه إلى جانب زوجته وولديه، أسمعه مرة يكفر، وأخرى يستغفر، ويسأل الله أن يتحمله، ولا أظن الله سيفعل.
وقبالتي جار كان تاجر حليب، قبل أن يبيع كثير من أهل قريتنا أبقارهم، وهو رب لأسرة من ستة أفراد، وبات لا يعمل، بعد أن باع كل معدات عمله، وأكل بثمنها، وتعالج، وسدد ما للناس في عنقه، أراه كل يوم مكفهر الوجه، وإن سألته، أجاب: الله يبعث الموت.
وخلفي جار خرج بتقاعده بالليرة اللبنانية من الجيش، بما يوازي سبعين ألف دولار، وقد استيقظ ليجده قد صار ألفي دولار، هذا قبل أن يركب بالمبلغ طاقة شمسية ليستضيء، ويعطي كل الجيران تشريجات لمصابيحهم وهواتفهم التي أثق أنك تذكرها جيدًا، وقد غصت ثلاجته بأكياس فتافيت خبزنا لئلا تتلف.
وعلى مسافة منا هنا وهناك، جيران يحلفون أيامين الطلاق، وآخرون يهددون بالانتحار، لأنهم بلا ماء لدخول المرحاض، ولا كهرباء للاستضاءة، وبغير وقود للتدفئة، ولا مدارس لأبنائهم، ولا أحذية ولا ملابس، وغيرهم يلعنون ويشتمون الحياة، ومنهم من صمت إلى الأبد.
فبالله عليك قل لي: كيف سأقنعهم بشعارك “بدنا نتحمل بعض”؟!
فهل تقترح علينا مثلًا أن نستبدل معك شعرنا الذي تمر أسابيع دون أن نغسله بصلعك الذي يلمع تحت أضواء الكاميرات؟!
أم أنك تقترح أن تجوع ليلة لنأكل، ثم نجوع ليلة لتأكل؟!
أم أنك سترسل أبناءنا إلى فرنسا أسبوعًا، وقد أتيت بأبنائك وأحفادك منها، ثم نتبادل ذلك؟!
أم أن الناس سيقرؤون اسمك في دفاتر ديون دكنجية الحي، وستطرق باب أحد الجيران لتطلب بصلة لقلية طبخة الوجع؟!
فإن كنت لا تستحي من ربك، ونبيك، وأنت تصلي، فاستح من فقراء وطنك، أو على الأقل استح من الإعلاميين الذين لم يصدقوك، أو من زوجتك وأولادك، أو من أحفادك الأبرياء، وإلا فاستح من وجهك في الشاشات، وقد اكتسى بكل أقنعة الكذب والدّجل والرّياء.
حقًا إنك كائن لا تُحتمل خفته، وثقالته، وجشعه، كما كل الذين تصافحهم بكفك أو بوجهك كل يوم في مهامك في البلاد.
فتحملنا واخرس.


