إيران وتركيا وجهان لعملة واحدة في ما يخصّ العرب

//خاص المدارنت//… في طهران، يفتخر عددٌ من سياسيين الجمهورية الاسلامية، بإعلان سيطرة ونفوذ ايران على أربع عواصم عربية. لا إعلانات سيطرة على عواصم عربية في أنقرة، أقلّه حتى الآن. لكن فرق الإنكشارية أقامت قاعدة لها في قطر لحمايتها.
انه التنافس بين ورثة امبراطوريتين، على عالم عربي أفقده القهر والظلم والتسلط بوصلته، فأضحى مفعول به وفيه. علماً أن صورة التنافس هذه، لا تكتمل إاّ بإضافة ورثة المشروع الصهيوني، الذين لا يضيرهم في استراتيجيات أقرة وطهران، إلاّ التنافس والتصارع على ما يعتبرونه وعداً ربانياً لشعب الله المختار.
لسنا هنا بصدد تفنيد المشروع الصهيوني، الذي يختلف بنشأته وتكوينه التاريخي، عن الاحلام الإمبراطورية الفارسية والعثمانية. إنما نهدف الى تبيان تشابه أهداف وخلفيات واستراتيجيات وتكتيكات، ما تريده كلّ من ايران وتركيا في عالمنا العربي.
أولاً، ليس المشروع الايراني وليد ساعته، ولم ينطلق من العدم غداة انتصار ثورة ولاية الفقيه في أواخر السبعينيات. لطالما سَعت ايران الحديثة الى توسيع آفاق نفوذها، في كل من آسيا الوسطى والعالم العربي، تحقيقاً لحلمها الإمبراطوري القائم على احياء أمجاد الشعب الفارسي. ولنتذكر هنا وصف ايران بشرطي الخليج إبان حكم الشاه محمد رضا بهلوي، الذي ما وُجد لقباً يليق بمقامه إلاّ الشاهنشاه، أيّ ملك الملوك.
يفيد هنا أن نتذكر أيضاً خطابات ملالي الثورة، وعلى رأسهم الامام الخميني، إثر تولّيهم مقاليد الحكم، التي رفعت شعارات تصدير الثورة، وتحرير الاسلام، واستعادة فلسطين.
أما الحلم الإمبراطوري العثماني، فلا يقلّ عظمة عن مثيله الفارسي، و لا يزال يدغدغ مشاعر النخب التركية، وخصوصاً منها إسلاميو العدالة والتنمية، الذين ينقلبون على تراث أتاتورك العلماني، من أجل إعادة بناء الإطار الاسلامي المناسب لإحياء أمجاد السلطنة.
ثانياً، ادركت النخب الايرانية اهمية الغطاء الديني منذ انتصار الثورة، فعملت على بلورة توجّه اسلامي يدّعي نصرة التشيّع، و يربطه بالوليّ الفقيه الايراني الأوحد، على الرغم من أن النجف في العراق، شكّل على مدى التاريخ عاصمة المرجعية الدينية الشيعية.
هذا، ويواجه الغطاء الاسلامي الشيعي توجهاً تركياً لتبنّي الاسلام السنّي، يتمثّل في خطاب ديني، ممزوج بنقد المرجعيات السنّية التاريخية في مصر والسعودية، والتحالف مع التنظيم العالمي للاخوان المسلمين، ودعم عدد من جمعيات وأحزاب الإسلام السياسي العربية.
ثالثاً، تحتل إيران أراضي الأحواز العربية وجزر طنب الصغرى والكبرى وأبو موسى (الإماراتية)، ولا تخفي زعمها بإيرانية البحرين. أما تركيا، فتحتل لواء الاسكندرون العربي السوري، ومساحات شاسعة من الاراضي السورية المجاورة لحدودها، وتضغط ليلاً نهاراً للحصول على ضوء أخضر أميركي يتيح لها إنشاء ما تسمّيه حزام أمني داخل الأراضي السورية والعراقية.
رابعاً، تعلم كل من تركيا وايران، مركزية وأهمية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي. كما تنظر الدولتان فتَرَيَا فراغاً ريادياً عربياً كبيراً، لجهة تحمّل النظام العربي مسؤولياته تجاه قضية العرب الاولى. فاذا بإيران تصيغ خطابا شعبوياً داعماً للقضية الفلسطينية، يترافق مع إمداد حركتيّ “حماس” و”الجهاد (الإسلامي)” ببعض الأموال، وربما بأسلحة ومساعدات، وذلك لضمان الامبراطورية الامساك بالورقة الفلسطينية، أو التأثير بمساراتها. ولا تختلف تركيا عن ذلك بشي. فهي أيضاً تحرص عل خطاب شعبوي مماثل، وهي أيضاً تدعم “حماس”. لا إيران تخجل من استيرادها الاسلحة والذخائر من الكيان الصهيونى اثناء حربها مع العراق، ولا تركيا تخجل من علاقاتها المفتوحة مع الكيان الصهيوني.
خامساً، لقد ساهمت كلّ من إيران وتركيا في ضرب وافشال انتفاضة الشعب السوري، كلّ على طريقته، وبحسب تحالفاته. فإيران تحالفت مع النظام ومدَّته بالمال والسلاح والمقاتلين والضباط والميليشيات. أمّا تركيا، فدعمت عدداً من الحركات الاسلامية المتطرّفة، وسمحت بمرور “الدواعش” الى سوريا، وقاتلت بجيشها عندما اقتضت الحاجة. علما أن إتفاقيات التهجير “الديموغرافي” في عدد من البلدات السورية، تمت بمفاوضات إيرانية ـ تركية. كما أن الدولتين تشاركان بفعالية في ما يُسمى مسار الأستانة، الذي يتشاركون فيه مع روسيا والنظام السوري.
بناءًا على ما تقدّم، نقول إن مشاريع السيطرة والنفوذ الايرانية والتركية، لا تختلف عن بعضها، لا في الاهداف ولا في الاطماع، ولا في الاستراتيجيات، ولا حتى في التكتيكات، إلاّ في الشيء البسيط. لكن إيران سبقت تركيا في إرساء دعائم مشروع ممنهج ومتكامل، باتَ يشكل نموذج يتعلّم منه الأتراك دروساً وعبر.



