مقالات

احتجاجات أوروبا.. أزمة الثقة بين الشعوب والسلطة!

“المدارنت”
تعيش الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، احتجاجات اجتماعية ضد السياسات التي تنتهجها الطبقة الحاكمة، من رئاسة الدولة إلى المجالس البلدية. وتمتد هذه الاحتجاجات إلى دول أخرى، منها بلجيكا وإيطاليا، فيما قد تنتقل شرارتها إلى بريطانيا وألمانيا. وتبدو هذه الاحتجاجات، وفق المنطق التاريخي، مؤشرا على انتفاضة سياسية كبرى ترمي إلى إعادة مؤسسات الدولة إلى مسارها الصحيح، بعدما أصبحت غالبية هذه المؤسسات تحت رحمة الشركات العابرة للحدود.

بدأت الاحتجاجات في منتصف سبتمبر الماضي في فرنسا، بمشاركة تلاميذ المدارس الثانوية، احتجاجا على سوء أوضاع التعليم العام، بما في ذلك نقص المعلمين واكتظاظ الفصول الدراسية وتهالك المدارس، فضلا عن طول ساعات الدراسة. كما شملت الاحتجاجات الشكاوى من نظام «باركورسوب» وهو نظام القبول الجامعي الذي يعتبره المحتجون غير شفاف.

غير أن الاحتجاجات التي اقتصرت في البداية على التلاميذ سرعان ما امتدت إلى نطاق أوسع، مستفيدة من الاستياء الاجتماعي الذي شكّل تربة خصبة لتوسعها. ومن أبرز أسباب هذا الاستياء تراجع القدرة الشرائية، وانخفاض الأجور، وارتفاع أسعار السكن والطاقة، وتدهور الخدمات العامة، ورفض سياسات التقشف. كما انضمت إلى هذه الموجة النقابات العمالية والعمال والمزارعون، إلى جانب قطاعات مرتبطة بحركة «السترات الصفراء»، التي ظهرت في هذا البلد الأوروبي سنة 2018. وانتقلت شرارة الاحتجاجات من فرنسا إلى إيطاليا، التي من المقرر أن تشهد إضرابا عاما يوم 20 من الشهر المقبل. أما في بلجيكا، فتمثلت الدوافع الرئيسية في تقليص ميزانيات التعليم والصحة والإعانات الاجتماعية، وارتفاع الرسوم الجامعية، وبدورها، تشهد إسبانيا اعتصامات في قلب العاصمة مدريد، تطالب بتوفير السكن اللائق ومحاربة الاحتكار العقاري، وستشهد إضرابا عاما يوم 11 نوفمبر المقبل.

عموما، يتوقع أن تمتد الاحتجاجات إلى معظم الدول الأوروبية، لتعيش هذه الدول ربيعا سياسيا واجتماعيا جديدا. وهنا يجب استحضار مضمون الكتاب المهم لإيمانويل تود «هزيمة الغرب» الذي تكهن باحتجاجات كبيرة سيشهدها الغرب. ونضع جانبا النظريات وافتتاحيات الصحف، وتحليلات بعض الخبراء المرتبطين بالمؤسسة السياسية والاقتصادية النافذة في كل دولة، والتصريحات السياسية الظرفية بما فيها خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لنركز، في المقابل، على ما تحمله شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف فهم أعمق لخطابات المحتجين وهواجسهم، ولا سيما أولئك الذين يحتجون خارج الأطر المؤسسية، مثل الأحزاب والنقابات. وتعد شبكات التواصل الاجتماعي أداة للتعبير عن أفكار المحتجين، فضلا عن دورها في تنظيم الاحتجاجات في مختلف أنحاء أوروبا. ويمكن إجمال أبرز القواسم المشتركة بين المحتجين في أوروبا، وهي قواسم تؤكد أن الأزمة ليست ظرفية ولا عابرة، فيما يلي:

* اتساع الهوة بين الطبقة السياسية والشعوب: ثمة شرخ عميق يكاد يصل إلى حد القطيعة بين الطبقة السياسية، التي تتناوب على رئاسة الحكومات والشعوب التي يفترض أن تمثلها. فقد برزت نخب متخصصة في العمل السياسي، تحترف شغل المناصب في الوزارات وإدارات المعاهد والمؤسسات العمومية، وتتخذ قرارات لا تصب بالضرورة في مصلحة الشعوب، بينما هي تعيش حياة الترف. ومن نتائج هذا الشرخ تزايد نفوذ اليمين القومي المتطرف واليسار الراديكالي. واطلعت على تدوينة لشابة فرنسية تبرز المفارقة وتقول: كل قنوات التلفزيون تعرض علينا برامج خاصة بالطبخ، إنه طبخ خاص بمن هم في السلطات والأغنياء في حين نحن نعاني أمام أسعار المواد الغذائية في المتاجر».

* هيمنة الشركات العابرة للقارات على القرار السياسي والاقتصادي: في ارتباط بهذا الشرخ، تعرب قطاعات واسعة من الشعوب الأوروبية، خاصة فئة الشباب، عن رفضها لما تعتبره هيمنة الشركات العابرة للقارات على صناعة القرار السياسي والاقتصادي. ويرى المحتجون أن هذه الشركات باتت تمارس نفوذا مباشرا ومعلنا في الانتخابات التشريعية والرئاسية، بعدما كان مخفيا، وفي المقابل تستفيد فيه من امتيازات كبيرة، من بينها الإعفاءات الضريبية أو تخفيض الضرائب.

* رفض الانخراط في الحرب الروسية الأوكرانية: ترفض قطاعات من الشعوب الأوروبية الانخراط في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، من خلال دعم الأخيرة، وترى أن الرواية الرسمية بشأن التوسع الروسي لا تتمتع بمصداقية كافية. كما يرى كثيرون، خاصة الشباب، أن الإنفاق على التسلح يجري على حساب القطاعات الاجتماعية الأساسية، مثل التعليم والصحة والتشغيل. ويرى خبراء الإعلام أن تأثير موسكو يبدو هنا جليا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

*تراجع الثقة في المستقبل الأوروبي: يسود شعور لدى قطاعات من الشعوب الأوروبية، خاصة فئة الشباب، بأن المستقبل لم يعد يحمل لهم آفاقا واعدة داخل القارة. فهم يرون أن القيادات السياسية، بمختلف توجهاتها، عاجزة عن بلورة مشاريع طموحة للمستقبل. كما يعتقدون أن فساد هذه الطبقة السياسية وإخفاقاتها أسهما في تراجع قدرة أوروبا على المنافسة مع القوتين الاقتصاديتين الكبيرتين، الصين والولايات المتحدة. وهنا ترتفع الأصوات ضد الاتحاد الأوروبي، حيث يعتبره الكثيرون مؤسسة بيروقراطية تتخذ قراراتها على حساب مصلحة الشعوب الأوروبية.


إن مظاهر العنف مرفوضة من حيث المبدأ، غير أن محطات تاريخية عديدة تظهر أن التحولات والإصلاحات العميقة كثيرا ما رافقتها احتجاجات عنيفة، تخللتها أعمال عنف ارتكبها بعض المحتجين، ولا سيما أولئك الذين عانوا من الحرمان والتهميش الاجتماعي. وإذا اقتصرنا على فرنسا، نجد أن الثورة الفرنسية ارتبطت بالعنف، كما أن أحداث مايو 1968 شهدت بدورها مواجهات عنيفة وثورات أخرى في القارة الأوروبية، بل في العالم. وبغض النظر عن النتائج التي ستفضي إليها هذه الاحتجاجات، لا سيما أنها تأتي في وقت تستعد فيه بعض الدول الأوروبية لاستحقاقات انتخابية، فإنها تكشف عن ترسخ الفعل الاحتجاجي داخل المجتمعات الأوروبية منذ سنوات. ومن المرجح أن تسهم هذه الدينامية، في نهاية المطاف، في إحداث تغييرات في عمل المؤسسات، سعياً إلى تجاوز الظاهرة الأكثر خطورة في المرحلة الراهنة، وهي فقدان الثقة بين الشعب والسلطة.

ومن جانب آخر، وفي إطار تفاعل العالم العربي مع هذه الأحداث، يلفت الانتباه موقف الإعلام المحسوب على الثورة المضادة في العالم العربي، والمتعاطف مع الصهاينة وأنصار التطبيع. فقد حاول هذا الإعلام صياغة خطاب ينسب هذه الاحتجاجات إلى الإسلام السياسي والجاليات الإسلامية، وهو ما يلتقي، بصورة واضحة ومباشرة، مع أطروحات اليمين القومي المتطرف في أوروبا وخطابات اليمين القومي المتطرف في الولايات المتحدة، ومن بينها الأطروحة القائلة، إن الهجرة ستغير الوجه الحضاري لأوروبا الغربية خلال العقدين المقبلين.

وفي الوقت ذاته، يصوّر هذا الإعلام تدخلات الشرطة العنيفة، التي قد تصل أحيانا إلى استخدام القوة القاتلة، بما يوظف لتبرير العنف الممارس ضد الاحتجاجات في العالم العربي. وفي ما يتعلق بالنقطة الأخيرة، فإن تدخلات الشرطة اتسمت بالعنف، كما شهدت بعض الاحتجاجات أعمال عنف من جانب المتظاهرين. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا لو شهد العالم العربي احتجاجات مماثلة؟ أليس من المرجح أن تواجهها بعض الأنظمة بالقوة المفرطة، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي؟ وتقدم السنوات الأخيرة أمثلة عديدة على سقوط شباب برصاص قوات الأمن التابعة لبلدانهم في هذه الرقعة الجغرافية من الخليج إلى المحيط

د. حسين مجدوبي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى