مقالات

اضطرابات “البرازيل” و”بيرو”.. أساليب ترامب الإنقلابية (2)

عبد الناصر طه/ فنزويلا

خاص “المدارنت”..
منذ عام 2016، وجمهورية “بيرو” في أميركا اللاتينية، تتخبط في أزمات سياسية متلاحقة، من رئاسة (باولو كوشنسكي في 28 أيلول 2017 حتى 23 مارس 2018)، الذي لم يستمر في الحكم أكثر من سنة ونصف، بعد فوزه في انتخابات عامة؛ ليتولى مهمة الرئاسة بعده نائبه (مارتين فيزكارا من 13 مارس 2018 لغاية 9 نوفمبر 2020 ). وينتهي حكمه بإسقاطه وتسليم دفة الرئاسة إلى رئيس مجلس النواب لمدة خمسة أيام فقط من 10 إلى 15 نوفمبر؛ وتتفاقم أزمة الحكم مجددا بين السلطة والمعارضة، فيخلف رئيس مجلس النواب الجديد (فرانسيسكو ساغاستي من 17 نوفمبر 2020 – 28 يوليو 2021).

رئيسة “بيرو” دينا بولوارت

وعلى أثر خلافات اهل السياسة في كيفية حكم البلاد، واختلافهم حول تطبيق الدستور وضرورة تعديل أجزاء كبيرة منه، دخلت البلاد في فوضى عارمة إلى أن جرت انتخابات عامة فاز فيها المدرّس والنقابي اليساري “بيدرو كاستيو”، واستلم زمام السلطة منذ تاريخ 28 تموز 2021 حتى تاريخ عزله، وتسلم نائبته اليسارية “دينا بولوارت”، رئاسة الجمهورية بتاريخ 27 كانون الأول 2022، علما أن مدة الولاية الرئاسية في جمهورية “بيرو” هي خمس سنوات.
لم يكن سهلا على الرئيس اليساري الشاب، أن يحكم بلدا عصفت به الخلافات السياسية منذ حكم الرئيس (ألبرتو فوجيموري) ذي الاصول اليابانية، الذي ما يزال مسجونا في تهم الفساد والنهب واغتيال المعارضين لحكمه.
قال: “كاستيو” يوم تنصيبه: “إنها المرة الأولى التي يتولى فلاح رئاسة جمهورية بيرو”؛ مستعينا بالطبقات الفقيرة والمهمشة التي اوصلته إلى منصبه.
ولكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، لأن قوى اليسار ودوله في اميركا اللاتينية، راهنت على صعود اليسار بعد فوز “كاستيو”، وترافق ذلك مع فوز اليسار القوي في أكبر وأهم الدول الناطقة بالاسبانية.
لكن أداءه كان مخالفا للتوقعات، وبعيدا عن اجواء اليسار اللاتيني الحديث، في حين تلقى الدعم من أحد اهم أقطاب اليسار، وهو الرئيس المكسيكي “لوبيز ابرادور” المشهور بلقب “أملو”، والذي ألغى قمة تحالف دول المحيط الهادىء التي كانت مقررة في المكسيك، بسبب منع “كاستيو”، آنذاك من السفر لحضورها، لأسباب قضائية منعته من مغادرة البلاد.
هذا، ويسجّل للرئيس المكسيكي، بعد نظره ودقة تفسيره لسقوط رفيقه البيروفي، في تعليقه على احداث بيرو، قوله: “إن السبب الحقيقي هو مصالح النخب الإقتصادية والسياسية ما دفعهم إلى عزل الرئيس وسجنه دون إثباتات للتهم التي وجهت إليه”.

رئيس “بيرو” المعزول بيدرو كاستيو

وجدير بالذكر، أن الرئيس البيروفي المعزول كان قد أعلن عن خطوات متهورة منها حل البرلمان، وتشكيل حكومة طوارىء وإجراء انتخابات تشريعية جديدة، ثم أضاف إعلان حالة طوارىء عامة في البلاد، في الوقت الذي كان برلمان “بيرو”، الذي تسيطر عليه أكثرية يمينية ووسطية، يعتزم طرح الثقة بالرئيس كاستيو، للمرة الثالثة على التوالي، بعد فشله مرتين سابقتين، وذلك تمهيدا لعزله ومحاكمته، في تهم منها الفساد المالي لمجموعة نافذين من جماعته، ومنها التمرّد على النظام العام ومخالفة الدستور.
بينما كان رد “كاستيو”، على ذلك في اداعاءات غريبة تتعلق بنظرية المؤامرة، حيث أفاد أنه لا يعلم أنه ألقى خطابا أعلن فيه ما أعلن من قرارات صادمة، حتى أن أحد محاميه نقل عنه انه شرب من كأس ماء، أعطيت له، ولم يعلم ما حصل بعدها، موحِيًا أنه تعرض للتخدير وإلقاء خطاب لا يعرف مضمونه.
ومع ذلك، لم تمر عملية العزل والاعتقال بسلام، حيث كتبت صحف “بيرو”، عن انقلاب على “كاستيو”، قامت به مجموعة متآمرة من رجال الأعمال الكبار، بمساعدة الجيش والقوات المسلحة، مدعومين ضمنًا من رفاقه في اليسار، لتخلفه مباشرة نائبته اليسارية المحامية “دينا بولوارتي”.
لم يكن “بيدرو كاستيو”، ثابتا في قراراته، على مدى عام ونصف، وهي مدة حكمه، فكانت الإخفاقات منذ اليوم الأول لتشكيل أول حكومة له، حيث ظهرت الخلافات بين القوى السياسية المتحالفة التي اوصلته إلى الحكم، وبدأت الاستقالات والانشقاقات من وزراء يعينهم، ثم يختلف معهم حول تطبيق سياسة الحكومة. حتى حصل الخلاف الأكبر مع أبرز مؤيديه من اليسار البيروفي، ومع النقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية على وجه الخصوص، ما جعله رئيسًا على أقلية ضمت في صفوفها جماهير المدرسين والفلاحين وأبناء الأرياف، الذين عقدوا الأمل عليه في تحسين أوضاعهم الاجتماعية.
وفي الجانب المضاد، واجهته نخبة من محترفي السياسة وكبار رجال الأعمال، يدعمها يمين متحفز لإسقاط تجربته منذ اللحظة الأولى لتوليه الرئاسة، ويعزز من قوتها يسار فقد الثقة بقرارات الرئيس المتعثرة وغير المدروسة، يسارٌ محلّي ويسار لاتيني في معظم دول أميركا اللاتينية؛ يضاف إلى ذلك فشله في تحقيق مطالب المتظاهرين، من عمال النقل العام، الذين دقوا المسمار الأخير في نعش حكومته.
هكذا سقط رئيس “بيرو”، المنتخب من الطبقات الاجتماعية الفقيرة، والحق يقال، أن الرئيس اليساري سقط، بينما يستمر اليسار في الحكم بواسطة نائبة الرئيس “دينا بولوارتي”، في محاولة لن يكتب لها النجاح بسهولة، نظرا لتعقيدات القوى السياسية والنقابية في جمهورية “بيرو”، ونظرا للفشل الحكومي والرئاسي المستمر منذ عدة سنوات، دون تمييز في الفشل بين اليمين واليسار، فكلاهما عاجز عن إدارة الصراع.
* نشر بالتزامن مع موقع “الشراع” الالكتروني

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى