مقالات

اغتراب العقل العربي..

أديب الحاج عمر/ لبنان

//خاص المدارنت//… من الطبيعي ارتفاع الأصوات عالية من كل اتجاه، نتيجة ما أثمرته ممارسات الاستعمار العسكرية والاقتصادية والفكرية والثقافية، وما يزال، وربما امتد للمستقبل القريب، والحال هو هو، لواقع الأمة التي كانت وما تزال تئنّ ألماً من وطأة استلاب عقلها واغترابه، جراء إضعاف اللغة العربية الفصحى وقهرها، أمام العامية، وأمام الدخيل من لهجات ولكنات أعجمية مزيّنة بأحرف رومية، وبخاصة، بعد أن ظهرت وطأة التحديات العلمية والثقافية والحضارية والعسكرية، بين القوى العالمية المتنازعة على السيطرة، متذرعين بحماية الأقليات والضعفاء من أبناء الأمة العربية ـ الإسلامية، على مصير ومستقبل العرب، الذين لا يزالون منقادون بتبعية التخلف والاغتراب، والذين تنازعوا الأفكار بين متخاصمي المناهج الفكرية، من تفكير مذهبي أوروبي، وتفكير شعوبي حاقد، والكل متصارع مع الكل، وهي نشطة بغزوها وغزواتها بين مكوناتها، متكالبة على نهب خيراتنا، ونحن كرماء لحية وارضنا خصبة لامتصاص كل تلك الثقافات، فنجتر الماضي ونهزأ بالحاضر ونستخفي المستقبل.

من هنا، غدا العقل العربي، الذي هو الأمل وهو الجهاز الفعال، والسبيل الى خروج العرب سالمين ومتّحدين من هذه البلبلة الفكرية، إلى طريق محدد المنهج، خصوصا، بعد أن انصبت عليه اتهامات واوصاف باطلة، إذ أنه عقل قاصر، وموصوف بالشلل والعقم والسلبية، جراء أعمال أولئك الفلاسفة والعلماء، من ابناء الغرب المتصهين، وممن له شرف التبعية بالالتحاق بهم، من أبناء امتنا في الشرق، والذين اتفقوا، على الرغم من تضارب وتناقض نظريات فلسفاتهم، محاولين زحزحة العقل العربي باسم الحضارة عن ماضيه، وعن تاريخه وعن منهج اصالته.

نعم، إنها حملة ممنهجة في جعل هذا العقل الاعجازي، في غياب واغتراب عن مقوّماته التي أضاءت سماء العالم قروناً طويلة، إذ أنه هو الذي كشف البرهان العلمي والحسّي على وجود الله، الخالق الحقّ، قبل وبعد الإسلام، اضف الى أنه عقل وتدبّر البيان القرآني، معجزة اللغة الفصحى، وكشف عن حضارته في عمق التاريخ، وبدعوته الى السلم والسلام والصفح، بانياً صرح العمران الإنساني، ناشراً روح العدالة في أقصى الارض وأدناها.

نعم إنها حملة ضارية، عملت على توجيهه كي يتنكر لطبيعته، وتناقض مع حقيقة ذاته، ويستسلم لغاياتهم ورغباتهم، ومن خلاله يستنبتون أفكارهم المعادية له وبلسانه، عن طريق منظرين، وعلماء ومفكرين، ضعاف النفوس، أذلة على المؤمنين، أولئك الذين جمعتهم عقلية الفلسفة الوضعية الغربية، بالإضافة لما حملته فلسفة إخوان الصفا، والغاية كل الغاية، إضعاف واخضاع العرب لصالح الأمم الأخرى.

لقد جنّدوا مفكرين متعالمين، من شراذم شعوبية، حاقدة ناقمة، ليعيدوا بانانيتهم البغيضة، أرض العرب إلى مرحلة التقاتل والتخلف المهين، مع استمرار زرع عوامل التفرق وعناصر الشتات.

لقد استغل مفكرو الرجعية العربية، بكافة مذاهبهم الفكرية، الروحية والمادية، بعض الظواهر الدالة على افتقاد النشاط الحقيقي للعقل العربي، بافتقاد اللغة، ما لديها من البيان، وما تحتويه من عناصر ثقافة رائدة، ومن الظواهر، انعدام الرؤية العربية الجامعة، يثبتون ذلك باقوالهم نظرياتهم الملتوية من أجل علاج ما زعموه من تدهور، وشلل، وفقر، وازمة، وسلبية العقل العربي، فرحين بعمالتهم ومتبجحين بصعلكتهم، متناسين واجبهم الوطني والقومي، في العمل على رسم منهج سليم للعقل العربي، وطريقة تفكيره، اعتماد اللسان المبين، والاعتقاد المؤمن. لقد اغتربوا وغربوا عقولهم، بالبعد والابتعاد عن كل مقوّماته الأصيلة، لغة، وتاريخاً، وحركة، ومصيراً، وشوّشوا بضبابية الأفكار عن أسباب قوة العرب وتآلفهم ووحدتهم.

وهكذا. فإن سلامة الطريق لمنهج فكري سليم، إنما يبدأ من سلامة الرؤية الفكرية لواقع متحرك، في كلية الطبيعة المرئية والمسموعة، جراء ما يحدث في العالم، حيث نحيا ونعيش، متأثرين بالمتحركات والمتغيرات وفق قوانين، كنا كعقل عربي على هذه الأرض، أول من كشف عنها وعمل في ضوء الفهم الإنساني لها، فقدمنا أعظم العطاءات الى العالم عموماً، وبخاصة الى من يقفون اليوم في صفوف أعداء أصالتنا ووحدتنا وتقدمنا.

نعم، الواجب يدعو الجميع الى موقف مشرّف مشرق، للانطلاق من خلال رؤية حكيمة شاملة، تدفع إلى تحرير العقل من كل عوائقه، وتوجيهه ليرى الماضي بصورة منطقية واقعية، بعيدة عن الأوهام والخيال، وتعمل بخطوات ثابتة لمعالجة تلك الظواهر المسؤولة عن أزمة العقل وإشكاليته، التي أدت إلى ما أدت إليه من تدهور وتخلف العرب، والتي جوهرها يتمثل في لغتهم المعبرة عنهم، وعن وحدة الرؤية، والكلمات، والمعاني، والغايات، في حياتهم المؤمنة.

سنعمد إلى بيان الحجة البالغة، ما للامة العربية ـ الإسلامية من فضل في العمران الانساني، بدليل لغة العرب، ودين العرب، وتاريخ العرب، وفيما اختاره الله العظيم للعرب.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى