مقالات

الأحزاب السورية بين خياريْ مواكبة العصر أو الخروج من التاريخ!

علي بكر الحسيني/ ألمانيا

خاص “المدارنت”
لم أكتب هذه السطور من موقع الخصومة مع أحد، ولا من باب التنكر لتجربة سياسية نشأت في كنفها منذ طفولتي، وإنما من باب الحرص على أن تبقى الأحزاب الوطنية جزءاً من المستقبل، لا جزءاً من الذاكرة فقط. فالسياسة في جوهرها ليست حفظاً للنصوص ولا ترديداً للشعارات، بل قدرة دائمة على فهم الواقع والتفاعل معه وتطوير الأدوات اللازمة للتأثير فيه.

نشأت في بيت سياسي بامتياز. كان والدي الحاج بكر الحسيني، حفظه الله، يقود حلقات وشعباً في “حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي” المعارض لنظاميْ حافظ الأسد وبشار الأسد، واليوم، هو عضو في مكتبه السياسي. في ذلك البيت تعلمت معنى الالتزام، ومعنى أن يدفع الإنسان ثمناً لمواقفه، لكنني تعلمت أيضاً أن الحزب وسيلة للنضال وليس غاية بحد ذاته.

عام 2004 غادرت سوريا إلى قبرص، وهناك بدأت أتعرف على نمط مختلف من الحياة السياسية. وخلال السنوات العشر التي أمضيتها في قبرص حيث كانت التجربة بالنسبة لي مدرسة سياسية حقيقية. هناك تابعت عن قرب الحياة الحزبية والنقابية، وشاهدت كيف تتحول السياسة إلى جزء من الحياة اليومية للمواطن، لا إلى شأن يقتصر على النخب. كما اقتربت من تجربة حركة الديموقراطيين الاجتماعيين (EDEK)، ولاحظت كيف يمكن لحزب ذي مرجعية اشتراكية ديموقراطية أن يجمع بين الدفاع عن العدالة الاجتماعية والواقعية السياسية، وأن يطوّر مواقفه وأدواته بما ينسجم مع تطورات المجتمع والدولة.

ثم انتقلت إلى ألمانيا، وهناك كانت التجربة الأعمق والأكثر تأثيراً في فهمي لمعنى الحزب السياسي الحديث.
من بين التجارب التي استوقفتني تجربة “الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني” SPD. لم يكن الأمر إعجاباً عاطفياً بحزب أوروبي، بل اهتماماً بتجربة سياسية استطاعت أن تبقى حية لأكثر من قرن ونصف القرن. تعود جذور الحزب إلى الحركة العمالية الألمانية في القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى “الاتحاد العام للعمال الألمان” الذي تأسس عام 1863، و”حزب العمال الديموقراطي الاجتماعي” الذي تأسس عام 1869، قبل أن يندمجا عام 1875 في “حزب العمال الاشتراكي الألماني”، والذي حمل منذ عام 1890 اسمه الحالي: “الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني” SPD. وبهذا المعنى يُعد أقدم الأحزاب الألمانية وأكثرها تأثيراً في الحياة السياسية الحديثة.

لكن ما جذبني في هذه التجربة؛ لم يكن عمر الحزب أو تاريخه فحسب، بل قدرته الاستثنائية على التكيف مع التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع الألماني والعالم. فقد بدأ حزباً يمثل العمال والحركة النقابية في عصر الثورة الصناعية، ثم تطور تدريجياً ليصبح حزباً جماهيرياً واسعاً يخاطب مختلف فئات المجتمع من عمال وموظفين ومهنيين ومتقاعدين وشباب، دون أن يتخلى عن جوهر اهتمامه بالعدالة الاجتماعية.

ما شدني في هذه التجربة أن الحزب لم يعتبر مراجعة أفكاره ضعفاً، ولم ينظر إلى التغيير بوصفه خيانة للمبادئ. على العكس، كان التجديد جزءاً من بقائه. القيادات تتغير، والبرامج تتطور، والنقاش الداخلي لا يُنظر إليه كتهديد، بل كوسيلة لتصحيح المسار. لا توجد قداسة للأشخاص، ولا حصانة للأفكار، ولا أحد أكبر من المؤسسة الحزبية نفسها.

بعد سنوات من متابعة الحياة السياسية الألمانية، أصبحت أصوت لـ”الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني” في الانتخابات العامة والبلدية عن قناعة سياسية شخصية. ليس لأنني أتفق مع كل مواقفه، فذلك غير موجود في أي تجربة سياسية، وإنما لأنني أرى فيه نموذجاً لحزب استطاع أن يوازن بين العدالة الاجتماعية والواقعية السياسية، وبين الدفاع عن الفئات الأضعف والحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها، وأن يحافظ على صلته بالمجتمع من خلال التجديد المستمر لا من خلال الاتكاء على أمجاد الماضي.

هذه التجربة دفعتني إلى التفكير أكثر في واقع الأحزاب السورية. فإذا كان حزب يزيد عمره على مئة وخمسين عاماً؛ ما يزال قادراً على مراجعة نفسه وتطوير أدواته وبرامجه وقياداته، فلماذا تخشى أحزابنا المراجعة وهي أحوج ما تكون إليها؟

المشكلة التي أراها اليوم، ليست نقصاً في الشعارات ولا في الأدبيات السياسية. لدينا من الشعارات ما يكفي لعشرات السنين. المشكلة تكمن في غياب الجرأة على النقد الذاتي وعلى الاعتراف بأن العالم تغير وأن المجتمع تغير وأن الأجيال الجديدة لها لغة مختلفة وأولويات مختلفة.

كثير من أحزابنا ما يزال يعمل بالأدوات التنظيمية نفسها التي تأسست قبل عقود طويلة. وما يزال ينظر إلى النقد باعتباره تهديداً، وإلى الاختلاف باعتباره مشكلة، وإلى التغيير باعتباره مخاطرة. ومع مرور الوقت تتسع الفجوة بينه وبين المجتمع.

في أحيان كثيرة أشعر أن الخلاف الحقيقي داخل الحياة الحزبية العربية، ليس بين اليمين واليسار أو بين القوميّين والإسلاميّين أو بين المحافظين والتقدميّين، بل بين من يرى أن الحزب، يجب أن يتكيف مع الواقع، ومن يرى أن الواقع هو الذي يجب أن يتكيف مع الحزب.

التاريخ يعلمنا أن الجمود ليس وفاءً للفكرة. الإمام الشافعي نفسه أعاد النظر في كثير من اجتهاداته، عندما انتقل من العراق إلى مصر. لم يكن ذلك تناقضاً، بل استجابة لواقع مختلف. والسياسة لا تختلف عن ذلك كثيراً، فهي اجتهاد بشري يرتبط بالزمان والمكان والظروف.

لهذا أعتقد أن الحاجة اليوم، ليست إلى مزيد من الخطابات، بل إلى إصلاحات تنظيمية حقيقية داخل الأحزاب: انتخاب دوري للقيادات، تحديد فترات المسؤوليات، توسيع مشاركة الشباب، فتح المجال أمام النقاش الحر، وربط البرامج السياسية بقضايا الناس اليومية.

كما أن الأحزاب التي تأسست في زمن المنشورات الورقية، والاجتماعات المغلقة لا تستطيع أن تخاطب جيلاً يعيش في عصر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي بالأدوات نفسها التي كانت مستخدمة قبل خمسين عاماً. فالتجديد لا يقتصر على الأفكار، بل يشمل أساليب التنظيم والتواصل وآليات اتخاذ القرار.

في سوريا، اليوم، لا ينتظر المواطن من الأحزاب أن تعيد عليه معارك الأمس، بقدر ما ينتظر منها أن تقدم تصوراً للمستقبل. يريد حلولاً للاقتصاد والتعليم والصحة وفرص العمل والعدالة الاجتماعية وبناء دولة المؤسسات والقانون.

التاريخ النضالي مهم ومحترم، لكنه لا يكفي وحده. فالتاريخ يمنح الاحترام، أما الشرعية السياسية فتُكتسب كل يوم من خلال القدرة على تمثيل الناس والدفاع عن مصالحهم والتفاعل مع مشكلاتهم الحقيقية.

إن الوفاء الحقيقي للأحزاب الوطنية، لا يكون بتحويلها إلى متاحف سياسية نحرسها من النقد، بل بتحويلها إلى مؤسسات حية تتعلم وتتطور وتصحح أخطاءها باستمرار. فالوفاء للفكرة لا يكون بتجميدها، بل بتجديدها. والوفاء للحزب لا يكون بالدفاع عن كل ما فعله في الماضي، بل بتمكينه من أداء دوره في الحاضر والاستعداد للمستقبل.

أكتب هذه الكلمات وأنا مدرك أن البعض قد يختلف معها، لكنني أؤمن أن الصراحة أفضل من المجاملة، وأن النقد المسؤول أفضل من الصمت، وأن مستقبل الأحزاب الوطنية لن يُبنى بتقديس الماضي، بل بالاستفادة منه والانطلاق نحو المستقبل.

ويبقى السؤال الذي أراه جوهرياً أمام كل حزب سياسي اليوم: كيف نحافظ على صلتنا بالمجتمع؟ وكيف نصبح أكثر قدرة على تمثيل تطلعات الناس؟

عند هذا السؤال تبدأ السياسة الحقيقية، وعنده يبدأ المستقبل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى