“الأونروا”.. من غوث الفلسطينيّين إلى دفن قضيتهم؟
“المدارنت”
حين هجّرته القوات “الإسرائيلية” من بئر السبع عام 1948، كان أحمد أبو عيشة طفلا في الرابعة من عمره. أغلق والده باب البيت، معتقدا مثل مئات آلاف الفلسطينيين، أن الأسرة ستعود بعد أيام، تاركا خلفه وثائق الملكية وكل ما يثبت صلته بالمكان.
حصل الطفل حينذاك، على وثيقة تسجيل من «الأونروا»، ساعدته لاحقا في استخراج بطاقة هوية. ما لبث أبناؤه أن تعلموا في مدارس الوكالة وكذلك أحفاده، ومن عياداتها تلقوا اللقاحات والعلاج. تروي حفيدته نور هذه الحكاية باعتبارها تاريخا عائليا يتجاوز الإغاثة، إلى مؤسسة حفظت ذاكرة اللاجئين بأرضهم وهويتهم عبر ثلاثة أجيال.
بعد نحو سبعة وسبعين عاما على تأسيس «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى»، تواجه هذه المؤسسة أزمة خطيرة. كشفت «القدس العربي» عن خطة منسوبة إلى القائم بأعمال المفوض العام، كريستيان سوندرز، لتسريح ما بين سبعة وثمانية آلاف موظف في غزة والضفة الغربية، وسط اتهامات فلسطينية بأن الخطوة تمهد لنقل خدمات الوكالة إلى «مجلس سلام» ترامب الذي تقوده الولايات المتحدة، ومؤسسات أخرى.
تأتي هذه التطورات في سياق حملة إسرائيلية طويلة ضد «الأونروا» تصاعد أوارها منذ اندلاع حرب غزة الأخيرة، وشملت اتهام موظفين بالإرهاب، وصدور تشريعات تحظر أنشطتها وتقيّد التعامل معها، وإغلاق مدارس ومقار تابعة لها في القدس الشرقية، وصولا إلى السيطرة على مركز قلنديا للتدريب المهني.
تندرج هذه الإجراءات ضمن سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تكريس السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتقويض إمكان قيام دولة مستقلة، ومناهضة حق العودة، ولأن «الأونروا» تمثل، في نظر الفلسطينيين، اعترافا دوليا متواصلا بأن آثار النكبة التي حاقت بالفلسطينيين منذ عام 1948، لم تتم تسويتها بعد. إضعاف الوكالة، ضمن هذا السياق، يهدد أحد أبرز المراكز المؤسسية الشاهدة على هذه القضية، بالتوازي مع السياسات التي تستهدف الوجود الفلسطيني ماديا، عبر الاستيطان والتهجير، وقانونيا، عبر تقليص الحقوق، ورمزيا، عبر السعي لمسح الذاكرة والهوية والتاريخ الفلسطيني ونهبها ونسبتها لإسرائيل.
حجج إدارة سوندرز تقوم على أن الوكالة تواجه عجزا في السيولة يبلغ 80 مليون دولار، وأن سنوات التقشف لم تعد كافية لضمان استمرار خدمات التعليم والصحة والإغاثة، نافية اتخاذ «قرار نهائي» بتسريح الموظفين، وزاعمة أن تقليص القوى العاملة لن يُعتمد إلا إذا «استنفدت البدائل الممكنة».
والحقيقة أن للأزمة المالية أسبابا سياسية، فالجمعية العامة للأمم المتحدة جددت ولاية الوكالة حتى عام 2029 بينما أبقت تمويلها معتمدا على مساهمات طوعية تستطيع الدول تعليقها أو وقفها، وبذلك تمنح المنظمة الدولية «الأونروا» مسؤوليات واسعة، من دون أن تضمن لها الموارد اللازمة للوفاء بها.

تعود سردية «مجلس السلام» حول الاستغناء عن «الأونروا» مع «الإبقاء على خدماتها» إلى مقترح قدمته إسرائيل عام 2024 للأمم المتحدة لتفكيك الوكالة، وهو حفز على إطلاق نائبين أمريكيين، جمهوري وديمقراطي، لتقديم مشروع في تموز/ يوليو من هذا العام بعنوان «استبدال أونروا بمساعدة إنسانية حقيقية». الأمم المتحدة، من جهتها، كانت قد قدمت مقترحا، في العام 2025 – تحت تأثير الضغط الإسرائيلي لحل الوكالة على ما يبدو – لنقل خدمات الأونروا إلى السلطة الفلسطينية والحكومات المضيفة لمدة انتقالية وذلك ضمن عملية تفاوض تشمل الوكالة والسلطة الفلسطينية والدول المضيفة والمانحين وممثلي اللاجئين.
لم تستطع المشاريع المطروحة، أسوأها نية وأقلها سوءا، إنكار ضرورة استمرار خدمات الوكالة، لكنها تجاهلت مصير شخصيتها المؤسسية التي تربط تلك الخدمات بتاريخ النكبة ومسؤولية المجتمع الدولي عن معالجة آثارها.
لم تنشأ «الأونروا» على أي حال لتقرير حق العودة، وهو أمر تناولته الأمم المتحدة قبل تأسيس الوكالة، ولن يسقط هذا الحق قانونيا باختفائها. السؤال حول مصير آلاف الوظائف شديد الخطورة لأنه ينفتح على سؤال سياسي وتاريخي أعمق، وهو سؤال القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين التاريخية المعلّقة منذ 78 عاما.



