مقالات

الإرهاب الإيراني في سوريا.. مبرراته وأهدافه الجزء “1 ـ 2”

محمد خليفة/ أوروبا

//خاص المدارنت//

سوريا في عقيدة الملالي أهم من خوزستان!

يتساءل المحللون حالياً عن مستقبل الوجود الايراني في سوريا بخاصة، والمنطقة عموماً، ولا سيما بعد أن شددت اسرائيل ضرباتها العسكرية للأهداف الايرانية في سوريا، وشددت الولايات المتحدة ضغوطها السياسية على روسيا للتعاون معها في إخراج ايران وميلشياتها من سوريا. ويتساءلون عن مدى قابلية النظام الايراني للاستجابة. ولا شك أن الإجابة على هذا التساؤل، يتطلب فهم موقع ومركز سوريا في تفكيرهم وخططهم الاقليمية الاستراتيجية. ولتحديد هذا الموقع، لا بدّ من تدبّر العبارات التالية للمسؤول والمفكر الايراني مهدي طائب “إذا هاجمنا الاعداء لانتزاع خوزستان أو سوريا منّا، يجب اعطاء الأولوية للدفاع عن سوريا، لأننا إذا احتفظنا بها، يمكننا استرجاع خوزستان، أما إذا فقدنا سوريا فلا يمكننا الحفاظ على طهران! إن سوريا هي المحافظة الايرانية الـ35، وأهميتها الاستراتيجية لايران أكبر من أهمية الاحواز”. (انظر تقرير صالح حميد في العربية نت يوم 3 / 3 / 2015).

https://www.alarabiya.net/…/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84).

إن المتحدث يساوي بين وضعية الاحواز العربية المحتلة منذ 1925 وسوريا، كجزأين من ايران، أيّ أن سوريا في نظر الايرانيين جزء من بلادهم كالاحواز. وكرّر المعنى ذاته مسؤولون ايرانيون كثر، وتعززه مؤشرات أكثر، أبرزها، أن المعارك التي يخوضها نظام الأسد منذ سنوات ولليوم يخططها ويوجهها الحرس الثوري، مما يثبت أن ايران هي اللاعب الرئيسي في سوريا، ويطرح السؤال التالي: كيف ومتى حققت ايران ذلك؟ وما أهدافها؟ هذا ما سنتناوله ونسلّط الضوء على مرتكزاته وتطوراته وأبعاده.

استراتيجية الهجوم على المشرق العربي

كان وما يزال تدخل ايران في سوريا جزءًا من استراتيجيتها العربية، خصوصاً الاقليم الممتد من المتوسط شمالا حتى بحر العرب جنوباً، ومن الخليج شرقاً، الى البحر الاحمر غرباً. هذا الاقليم تصنفه ايران “منطقة معادية”، لأن معظم دوله تعمل على احتوائها، وهو زعم باطل، لأن الايرانيين هم الذين حددوا الاتجاه الاستراتيجي لثورتهم الشيعية (لا الاسلامية كما يصرّ المرحوم د . صبحي الصالح) بالتوسع فيها، لوجود كثافة شيعية، فضلا عن مزارات ومراقد مقدسة للشيعة يمكن استغلالها، و”فيها الطريق الى العمق العربي” كما يقول رضوان السيّد في كتابه “العرب والايرانيون وعلاقات الزمن الحاضر، الفصل الاخير، صادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ط 3 ـ 2017”.  لذا يجب تحديد استراتيجية ايران تجاه هذه المنطقة، قبل تحديد استراتيجيتها في سوريا. وفي هذا الصدد، يجب التمييز بين ثلاثة أطوار مرت بها علاقات ايران الخمينية بمحيطها العربي المشرقي. الاول: طور الجموح العقدي الثوري بقياده رجل دين (الخميني)، يمارس السياسة بعقلية ثيوقراطية ظلامية تعشش فيها أفكار طوباوية كثيرة، أهمها :

* تصدير ثورته الى دول الجوار .

* تخريب الدول الوطنية والقومية العربية.

* تحقيق (وحدة المسلمين) بقيادة ايران .

* تحقيق (الوحدة الشيعية) بين المجتمعات الشيعية في دول المنطقة، وربطها بالمرجعية الايرانية تطبيقا لنظرية ولاية الفقيه .

* محاربة الغرب بكل الوسائل بصفته “الشيطان الأكبر”.

* استعادة أمجاد ايران الصفوية.

في ثنايا هذه الافكار، يمكن استشفاف أن الفكرة المحورية، هي التوسّع الذي يوقظ المشروع الصفوي، والنظرة الفارسية العرقية للعرب، فهي في ظاهرها أفكار “اسلامية”، وفي محتواها “مذهبية” وعنصرية وعدوانية تجاه العرب، بدليل أن التوجه الى تجسيد مقولة الوحدة الاسلامية على أنقاض الدول الوطنية القومية لا تخصّ غير العرب، ولا تعممها على تركيا أو باكستان أو أفغانستان.

فالخميني، الذي عاش في العراق خمسة عشر عاماً لاجئاً مكرماً من حكومته، ردّ له جميله بالعدوان عليه بُعيد وصوله الى السلطة، وأشعل حرب الخليج لثماني سنوات 1980 – 1988. ورفض الخميني مبادرات إيقافها بحجّة أنه “لا يجوز السلام مع كافر”، أيّ مع الرئيس العراقي صدام حسين. فتواصلت الحرب، حتى مُني بهزيمة مُرّة، وتجرّع السّم .

الثاني: طور الانكفاء الداخلي، والاعتدال النسبي الذي أعقب الهزيمة، واستمر خمسة عشر عاما 1988- 2003، سادها شيء من الانفتاح على العرب، في عهديّ الرئيسين رفسنجاني وخاتمي.

الثالث: طور العودة الى الهجوم، وتصدير الثورة بواسطة التوسّع العسكري والايديولوجي والطائفي.

وعلى الرغم من العنوان الثوري الظاهري، تفضح تطبيقات هذه السياسة رجعيتها وعدوانيتها، إذ ارتكزت على التعاون مع الشيطان الأكبر في غزو العراق، وتدمير نظامه الوطني، وتطوره الى تحالف على مستوى الاقليم، سمح لايران باختراق العراق ولبنان وسوريا واليمن خلال عشرة أعوام.

يحدد الأكاديمي اللبناني رضوان السيّد عام 2003، “نقطة انطلاق ايران في سياستها الهجومية، ويربط بين غزو العراق، ووصول محمود أحمدي نجاد المتطرّف الى رئاسة الجمهورية في إيران، والذي طوى عملياً سياسة سلفه الاصلاحي محمد خاتمي السلمية والانفتاحية، وكشف زيف السياسة الخاتمية والرفسنجانية” (رضوان السيّد، مصدر سابق).

والأهم، هو تدشين نجاد لـ”ميثاق الأفق العشريني”، الذي صاغ استراتيجية توسعية، لتصبح ايران خلال عقدين (2003 – 2025)، “دولة فوق اقليمية”في محيطها. وحدد الميثاق المحيط المقصود، بأنه يضم الشرق الاوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، ولكن واضعيه أعطوا الأولوية للشرق الأوسط،  فركزوا استراتيجيتهم التوسعية على العرب.

لقد كشف “الميثاق”، التوجهات الجيوسياسية المستقبلية لايران منذ 2003 نظرياً، بينما كشف تحالفها مع اميركا في العراق توجهاتها الامبريالية ونفاق شعاراتها. وكان قد سبقه تعاون مشابه، حين ساعدت ايران اميركا في غزوها لأفغانستان 2001. وقد فضح مؤخراً السفير الاميركي زلماي خليل زادة في كتابه “المبعوث”، تطور العلاقات بين أميركا وايران، منذ أن اختاره الرئيس بوش مبعوثاً الى ائتلاف المعارضة العراقية، الذي ساعد اميركا على الغزو، ومعظم أحزابه موالية لايران. ثم اختاره سفيراً في بغداد عام 2005، حين كان النشاط الايراني التخريبي والارهابي في ذروته. ويكشف زادة في كتابه، عن لقاءات سرّية جرت في جنيف بينه وبين جواد ظريف (وزير خارجية إيران اليوم) منذ 2001، لتنسيق الأدوار في العراق.

لقد تموضع ولي الفقيه المتشدّق بعدائه للغرب في خندق الشيطان الأكبر، مرة ثالثة بعد سابقة افغانستان، وشراء السلاح من اسرائيل 1983 – 1986 كما بيّنت فضيحة “ايران غيت”، مما يعني أن مشروع الملالي ليس “وحدة الامة الاسلامية”، بل التوسع الامبراطوري على حساب العرب.

إن تحليل السلوك الايراني في العراق ولبنان وسوريا واليمن، يوضح اسلوباً واحداً، ملامحه الرئيسية:

1 ـ اختراق المجتمعات العربية بكل الوسائل المذهبية والاديولوجية والسياسية.

2 ـ التسلل الى الدول المستهدفة، من خلال أزماتها العادية أو التي تصطنعها ايران .

3 ـ نشر التشيّع، وتعبئة المكوّنات الشيعية، وربطها بولي الفقيه دينياً وسياسياً .

4 ـ استخدام سلاح المال بسخاء لخلق جماعات موالية تخدم ايران.

5 ـ خلق كيانات طائفية، وتكريسها في دساتير تشرع المحاصصات الطائفية .

6 ـ بناء منظومة مترابطة للجماعات الشيعية، تخترق الدول الوطنية وتؤلف “الهلال الشيعي”، الممتد من أفغانستان الى اليمن ومن العراق الى المتوسط .

7 ـ بناء منظومات عسكرية ميليشوية في هذه الدول مرتبطة بطهران، ومتعاونة فيما بينها تحت قيادتها. واعترف اللواء جعفري قائد الحرس الثوري أن ايران لديها 200,000 مقاتل في الدول العربية، مرتبطين بها عسكرياً ودينياً وسياسياً. وبالطبع مالياً.

وإذا استعرضنا تجارب التسلل الايرانية في العراق ولبنان وسوريا واليمن “والبحرين والسعودية”، نجد تطبيقات متطابقة .

سورية مركز المشاريع الايرانية

يندرج التورط الايراني في سوريا، ضمن استراتيجية الهجوم في الوطن العربي، أما جذوره فتعود لما بعد ثورة 1979 مباشرة، حيث نشأت العلاقات بين النظامين، وتطورت بسرعة فاقت بقية الدول العربية، إذ جمع النظامين عداؤهما للعراق الوطني، وأغراهما بالتعاون في الحرب ضدّه.

وفي لبنان، سمح حافظ الأسد لايران بالشروع ببناء “حزب الله” منذ 1981. وتنامى نفوذ ايران باطراد، ولكنه ظلّ مضبوطاً بقبضة الاسد القوية حتى مات وورثه بشار، الذي يفتقر للحنكة عام 2000، فأخذ الايرانيون يخترقون الدولة والمجتمع، بخاصة الأجهزة الأمنية والعسكرية والدينية. ولعب “حزب الله” دوراً مهماً في تطوير العلاقة الثلاثية، فصار شريكاً لسلطة بشار في لبنان. ولم تعد إيران دولة حليفة وحسب، بل طرفاً نافذاً في قرارات النظام وتوجهاته .هذا المثال يبرز جدية طهران في خطة الاختراق، انطلاقا من العوامل الجيوسياسية التالية :

أولاً – الوصول الى المتوسط حلم فارسي منذ أقدم العصور. لا يمكن تحقيقه من دون سوريا، خصوصا أن ايران رسخت نفوذها في لبنان منذ الثمانينات، وسيطرت على العراق بعد 2003، ويستحيل عليها الربط بينهما من دون سوريا.

ثانياً – تقع سوريا أيضا في قلب “الهلال الشيعي” الذي أنشأته ايران, وسط لبنان والعراق وفلسطين، وعلى مقربة من الخليج والجزيرة العربية، ومن دون سوريا ينفرط الهلال .

ثالثاً – يلعب “حزب الله” دوراً مركزياً في استراتيجية الانتشار الايراني الاقليمية، وأصبح ذراعها الضاربة في المنطقة، وخصوصاً ضدّ اسرائيل، ولا بدّ لايران من حمايته وتدعيم قوته، وتأمين طريق بري للوصول اليه وحمايته. وسوريا هي الطريق الوحيد.

رابعاً – لأسباب كثيرة، تريد إيران الاقتراب من حدود فلسطين/ اسرائيل، لتتمكن من تهديد العدو المفترض، أو مساومته حسب الحاجة. ولذلك لا بدّ لها من سوريا حتماً.

خامساً – أنشأت إيران “محور المقاومة والممانعة” بقيادتها، ويضمّ سوريا و”حزب الله” وحركة “حماس” و”الحوثيين” و”الحشد العراقي”. وكما يقول رضوان السيّد: “لا أهمية للمحور من دون سوريا، بحكم موقعها المحوري بين الاطراف”.

سادساً – كل ما تحتاجه ايران في سوريا متوفر لها، عدا الكثافة الشيعية، فعددهم أقل من نصف مليون، مما يضعف الاعتماد عليهم لتحقق ايران مشاريعها الطائفية فيها، كما فعلت في العراق ولبنان واليمن، فحصرت رهانها على الطائفة العلوية، على الرغم من أن ولاءها غير مضمون، ولكنها رأت أن الدفاع عن بقاء السلطة في يدها، هو خيار أقلّ سوءًا من انتقال السلطة الى أهل السنّة. وحين انفجر الشارع عام 2011، وتهدد نظام الاسد، صاغت ايران موقفها من خلال العوامل السابقة، وتهيأ لها أنها “مؤامرة غربية وعربية”، لا على نظام الأسد، بل على الجمهورية الاسلامية! فقرّر المرشد وحرسه الثوري القتال دفاعاً عن نظامهم، بحجة الدفاع عن نظام الأسد. ولم يمرّ القرار بسهولة، إذ نشب خلاف حادّ بين الجناحين السياسي والعسكري، حسمه تحالف المرشد والعسكر والملالي بفتوى، “توجب القتال في سوريا دفاعاً عن الجمهورية”، أصدرها خامنئي. وكشف نجاد مؤخراً، أنه عارض التدخل للدفاع عن طاغية، لكن القرار من صلاحيات المرشد والحرس، فتدخلوا، ورفعوا شعارات مذهبية تحريضية، كالدفاع عن زينب ورقيّة وسكينة، والثأر للحسين من يزيد وبني أمية. ودفعوا بعشرات االآلاف من المقاتلين الشيعة، الذين يدربونهم في ثلاثة معسكرات رئيسية في ايران، مخصصة للمقاتلين والارهابيين الاجانب.
وهي “معسكر الامام علي شمال طهران، معسكر أمير المؤمنين، غرب طهران، معسكر مرصاد في شيراز ،  معسكرات “حزب الله” في لبنان،  معسكرات “الحشد الشعبي” في العراق.

في الجزء الثاني، فصائل قاتلت ضدّ السوريين دفاعاً عن الطاغية ومصالح إيران.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى