مقالات

“الإسلام الدّيموقراطي”.. مقاربة “أوجلان” بديلة لأزمات الشَّرق الأوسط!

زعيم “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان

“المدارنت”
يمثّل مفهوم “الإسلام الدّيموقراطي” الّذي يطرحه القائد عبد الله أوجلان (زعيم حزب العمال الكردستاني) محاولة فكريّة عميقة لإعادة قراءة التَّراث الإسلامي بعيداً عن قوالب السَّلطة الّتي حاصرت جوهره التَّحرّري عبر التَّاريخ. ويمكن الوقوف على ذلك من خلال رسالته الموجّهة إلى الكونفرانس الثَّالث لاتّحاد البحوث الإسلاميَّة في “ميزوبوتاميا” (بلاد الرافدين/ مهد الحضارة)، حيث يرسم خارطة طريق لاستعادة الرّوح الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة للإسلام، مؤكّداً أنَّ الدّين يجب أنْ يكون ضميراً للمجتمع لا أداة في يد الدَّولة.

ويرى القائد عبد الله أوجلان أنَّ الجوهر الحقيقي للإسلام يكمن في كونه حركة اجتماعيَّة قامت على قيم الحرّيَّة، والعدالة، والمساواة، ومواجهة الاستبداد والتَّراتبيَّة الطَّبقيَّة الّتي سادت في ذلك العصر. ويشير إلى أنَّ هذا الجوهر التَّحرُّري تعرّض للانحراف منذ العصر الأموي، حينما تحوّل الدّين إلى أداة لمنح الشَّرعيَّة للسُّلطة الدَّولتيَّة، وهو انحراف لا يزال مستمرّاً حتَّى يومنا هذا عبر ما يسميه “الإسلام الرَّسمي” أو التَّيارات المذهبيَّة الّتي تتسابق نحو الهيمنة.

وثيقة المدينة
وتستند رؤية القائد عبد الله أوجلان إلى “وثيقة المدينة” كمرجع تاريخي تأسيسي، باعتبارها ميثاقاً اجتماعيَّاً ديمقراطيَّاً جسّد مبادئ التَّعدُّديَّة والوحدة في آنٍ واحد، وجمع مختلف المعتقدات والثَّقافات في إطار قواعد للعيش المشترك. وفي هذا السّياق، يعيد تعريف مفاهيم مركزيَّة في الإسلام، فالجهاد لديه ليس صراعاً خارجيّاً، بل هو نضال الإنسان ضدَّ نزعاته التَّسلُّطيَّة والأنانيَّة، وهو “جهاد النَّفس” الّذي يمهّد الطَّريق لثقافة النَّقد الذَّاتي والتَّحرُّر المجتمعي.

كما يرى في مبدأ “الشُّورى” جذوراً للسّياسة الدّيمقراطيّة المحلّيَّة والحياة الكوموناليَّة، حيث تُخضع السُّلطة للمساءلة الشَّعبيَّة بدلاً من أنْ تكون هي من تتحكّم في مصير الدّين والمجتمع.

الملّا محمد رشيد الغرزاني

هنا يقول المُلّا محمد رشيد الغرزاني الرّئيس المشترك لمؤتمر الإسلام الدّيمقراطي، في تصريح خاصّ لوكالة فرات للأنباء (ANF): إنَّ السّيد عبد الله أوجلان قدَّم رؤية فلسفيَّة حول مفهوم الإسلام الدّيمقراطي، وهو المفهوم الّذي يرتبط بشكلٍ واضحٍ بوثيقة المدينة الّتي قامت على أسس عدَّة أساسها قبول التَّنوّع والاختلاف، معتبراً أنَّ “وثيقة المدينة” تتقاطع بشكلٍ كبيرٍ في كثير من القواسم مع مفهوم الأمّة الدّيمقراطيَّة الّذي قدَّمه السَّيد عبد الله أوجلان.

شروط عمليَّة
ولا يقف مشروع الإسلام الدّيمقراطي لدى القائد عبد الله أوجلان عند حدود التَّنظير، بل يضع شروطاً عمليَّة لتحقّقه، أبرزها ضرورة الموقف الحاسم من قضايا العصر، فكلُّ فكر يناهض حرّيَّة المرأة، أو يسعى للهيمنة على الطَّبيعة، أو يغذّي النَّزعات القوميَّة والمذهبيَّة، يبتعد عن جوهر الإسلام، ويؤكّد القائد آبو أنَّ الإسلام الدّيمقراطي يقوم على مرتكزات أساسيَّة هي: حرّيَّة المرأة، والتَّضامن المجتمعي، والأخوّة بين الشَّعوب.

الصحافية فاتن صبحي

بدورها، تقول فاتن صبحي الكاتبة الصّحافيَّة المصريَّة إنَّ رؤية السَّيد عبد الله أوجلان الّتي تضع حرّيَّة المرأة والتَّضامن المجتمعي وأخوّة الشَّعوب كركائز جوهريَّة للإسلام الدّيمقراطي، تمثّل في جوهرها ثورة فكريَّة تعيد الاعتبار للرُّوح التَّحرُّريَّة في الخطاب الدَّيني. وهذا الطَّرح ليس مجرّد شعارات، بل محاولة شجاعة لانتشال الدّين من براثن المؤسّسات السَّلطويَّة الّتي استخدمته لتبرير الاستبداد.

أضافت في اتّصال لوكالة فرات للأنباء (ANF)، أنَّ ربط الإيمان بالدّيمقراطيَّة المجتمعيَّة والعدالة القائمة على المساواة، يفتح باباً واسعاً أمام التَّنوير، ويقدّم نموذجاً للأصالة والمعاصرة يتجاوز الانقسامات المذهبيَّة، ويؤسّس لوعي حضاري يرى في تحرُّر الإنسان من هيمنة الاستبداد والتزامه بقيم الأخلاق والتَّعدُّديَّة، جوهر الدّين الحقيقي الّذي يستحقُّ أنْ يُتّبع.

ممّا سبق يتضح أنَّ هذه الرّؤيّة “الأوجلانيَّة” تقدّم مقاربة بديلة لأزمات الشَّرق الأوسط؛ فهي لا تراهن على تعزيز قوى الدَّولة أو التَّنافس على السُّلطة، بل على تطوير المجتمع الدّيموقراطي كحلٍ وحيدٍ. وبذلك، يطرح القائد عبد الله أوجلان مشروعاً حضاريَّاً لا يخدم المجتمعات الإسلاميَّة فحسب، بل يمثّل رؤية إنسانيَّة شاملة تفتح الطّريق أمام الشَّعوب لتعيش معاً بإرادتها الحرّة وهويّاتها المتعدّدة، بعيداً عن قهر السّلطات وأيديولوجيّات الهيمنة.

محمد يوسف/ “وكالة فرات للأنباء”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى