الاستقرار في سوريا إلى أين؟

“المدارنت”
كان موضوع الاستقرار في سورية دائمًا وأبدًا مسألة غاية في الأهمية، وديدن السياسات السورية منذ أن تم كنس نظام بشار الأسد وحتى اللحظة الآنية، ولعل من أهم التحديات الكبرى التي تتمظهر أمام الحكومة السورية في دمشق اليوم هي تحدي الاستقرار في الوطن السوري، ومن ثم كيفية الوصول إلى صفر فوضى، وصفر تدخل إسرائيلي في الشؤون السورية، سواء عبر وقف تعدياتها المستمرة على الأراضي السورية، او منع محاولاتها اللعب بورقة الدروز، كما تود إسرائيل أن تعمل عليها باستمرار، كورقة ضغط متواصلة على حراك الحكومة السورية، وكذلك إمكانية بناء دولة وطنية سورية مستقرة، خالية من كل حوامل الفوضى، واحتمالات العبث بالاستقرار المزمع في الوطن السوري، الخارج من حروب طويلة الأمد، تجاوزت في عمرها الزمني الأربعة عشر عامًا ونيف.
ويبدو أن كل المسائل الوطنية السورية ترتبط بشكل مباشر بحالة الاستقرار الوطني في سورية، والقدرة على القيام بدور دولتي وطني يمكن له الاشتغال جديًا وواقعياً على عملية البناء، بناء الدولة الوطنية السورية بكل مناحيها.
وإذا كانت الحكومة السورية قد نجحت بشكل نسبي حتى الآن في دمج شمال شرق سورية، وحل معظم إشكاليات الأثنية الكوردية، وبالتالي إنهاء ظاهرة تنظيم (قسد) و التوصل إلى التوافق على أساسات وطنية سورية يُبنى عليها الكثير، منذ توقيع اتفاق 29 كانون ثاني/ يناير 2026 وحتى الآن على الأقل، فإن هناك الكثير مما لم تستطع حله الحكومة السورية، وما يزال عالقًا، ويحمل إمكانية انفجاره، بين الفينة والأخرى، إن لم تتم معالجته ضمن رؤيا عقلانية وطنية رصينة، وحريصة على وحدة الوطن السوري بكليته، ومنها بالضرورة أوضاع محافظة السويداء وجبل العرب، التي لم تحل بعد، ومن ثم القدرة على بسط نفوذ الدولة السورية، على كامل الجغرافيا السورية في الجنوب، حيث نشهد واقعيًا أن محافظة السويداء في معظمها ما تزال خارج إطار السيطرة الحكومية، وبعيدة عن إمكانية الوصول إلى تفاهمات جدية عملية للحل الوطني المندمج، فبالرغم من وجود الاتفاق الثلاثي الذي جرى، ثم أعلن عنه في شهر أيلول/ سبتمبر العام الماضي 2025، من قبل المبعوث الأميركي (توم براك) ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وكذلك وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي.
لكن ذاك الاتفاق لم يتم تطبيقه، وقد رفض (حكمت الهجري) الالتزام به، كما جرى منع أي ممارسة عملية له، ومازالت خطوطه العريضة كخارطة طريق للحل، مركونة على الرف، وعصية على التطبيق، ورغم أن الضغط الأميركي مازال معلنًا ، من قبل المبعوث الاميركي (توم براك) كما أن زيارات الصفدي المكوكية إلى دمشق لم تتوقف ، ولقائه بالشيباني، من أجل تنفيذ الاتفاق الثلاثي، إلا أن الواقع الميداني في محافظة السويداء يقول غير ذلك، ويعبر عن نفسه بطرق مختلفة، ويدفع أيضًا باتجاهات أخرى، لم تعد محصورة بمسائل جبر الضرر، او مسارات العدالة الانتقالية، ولا بمحاسبة الجناة والمرتكبين، بل راحت المسألة مع تصريحات (حكمت الهجري) الأخيرة، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث بات (الهجري) يتحدث عن ارتباطات عقدية بين الدروز والإسرائيليين يقول إنها تاريخية، وهو بذلك يجدف خارج السياق الوطني، وضد الرأي العام السوري برمته، الذي مازال يعتبر إسرائيل عدوة ، وكيانًا محتلًا للأرض السورية في الجولان السوري وما حوله، وعابثة بأمن وسلامة المنطقة العربية، وموغلة يوميًا في جل الدم العربي الفلسطيني من دون رادع.
ومع ذلك فهناك من يقول: إن ما تحدث به (حكمت الهجري) يتساوق بالتالي مع حالة التصعيد الإسرائيلي تجاه دمشق، والتعدي المستمر على الأرض السورية، والاستفزاز الذي لا ينقطع ضد السوريين، وليس آخره دخول رئيس حكومة إسرائيل (بنيامين نتنياهو) ووزير حربه قمة جبل الشيخ السوري المحتل، والكثير من الأراضي السورية في المنطقة العازلة، التي كانت قد دخلتها إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى موسكو.
إلا أن المتابع لاستمرار التعديات الإسرائيلية، والتصريحات الاستفزازية الإسرائيلية تجاه الحكومة السورية، التي يراد منها تحصيل ما يمكن تحصيله، في صناديق الانتخابات الإسرائيلية القادمة، والضغط الأميركي مازال موجودًا من أجل الوصول إلى اتفاق أمني بين إسرائيل ودمشق، وهو لن يكون اتفاقًا للسلام، بل تحديثًا لاتفاق فض الاشتباك المنهار، والذي سبق وتم توقيعه من قبل حافظ الأسد عام 1974 إبان حرب 6 تشرين أول/ أكتوبر 1973.
ويبدو أن الضغط الأميركي مازال يراوح بالمكان، وضمن حسابات الإدارة الاميركية في انتخابات الكونغرس النصفية، التي تقترب هي الأخرى، وعين (ترامب) مازالت مركزة على التأثير الكبير للوبي اليهودي في أميركا.

إذًا هناك تحديات كبرى تمنع حتى الآن الاستقرار الضروري جدًا لبناء الدولة السورية، والمهم حقيقة لكل السوريين وعلى طول المدى، من أجل سورية واحدة موحدة، مانعة للإرهاب، الذي مازال هو الآخر يخترق الحالة السورية، ويمنع أو يحد من الاستقرار في سورية ومن الوصول إلى خواتيمه الإيجابية. يضاف إلى ذلك فإن السلم الأهلي بحد ذاته لن يكون بدون محاسبة الجناة وتطبيق العدالة الانتقالية، التي لم يصدر قانونها حتى الآن، رغم ضرورته للمحاكمات، وجبر الضرر، وتحديد المسؤولية، عن العبث في الاستقرار، وأمن الوطن، في كل الجغرافيا السورية، ومنها بالطبع محافظة السويداء والساحل السوري أيضًا.
الاستقرار في سورية لن يتحقق ولن يسير فيه وعلى أساسه مضمار الاستثمار الخارجي والداخلي، وبناء المؤسسات، وإعادة الإعمار، بدون بسط العدالة الانتقالية على مجمل الوضع السوري، والحد من كل الحالات التي مازالت حتى الآن تعبث بهذا الاستقرار المزمع.
الاستقرار في سورية ليس غاية بحد ذاته، لكنه ضرورة وطنية، لا ضير أنها باتت مهمة وآنية، من أجل الوصول إلى السلم الأهلي، ومن أجل صياغة العقد الوطني الاجتماعي الجامع، والغائب حتى اللحظة، وكذاك العمل من أحل سورية المتعددة والتعددية وبناء دولة المواطنة المتساوية والمفتقدة منذ أكثر من خمسين عامًا خلت، عبر سياسات العسف والقهر والاستبداد، وإلغاء السياسة في المجتمع السوري وهيمنة الحزب الواحد والقائد.



