مفهوم الدولة في الإسلام

خاص “المدارنت”
لم يرِد مصطلح “الدولة” في القرآن الكريم، بهذا اللفظ السياسي المعاصر إلا بمعناه الماليّ: “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ” (الحشر 7)،
غير أنّ القرآن أسّس لمفهوم السلطة وإدارة المجتمع من خلال قِيَم العدل والشورى وإقامة الحائط القانوني والأخلاقي للمجتمع. هذه الأسُس تتمثّل في قوله تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تحكُمُوا بِالْعَدْل” (النساء 58)، “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم” (الشورى 38)، “الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ”، (الحج 41)، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ” (النساء 59)، “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” (آل عمران 103)..
أمّا الأحاديث التبويّة الشريفة فكثيرة، منها:
“كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فالإِمَامُ الّذِي عَلَى النّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ”، وهو ما يبيِّن أن الحكم وظيفة تكليف وخدمة وليس تشريفًا. “إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ؛ الّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا”، وهو دليل على أهمِّيّية إقامة العدل في إدارة الدولة. “لَا تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يُقْضَى فِيهَا بِالحَقِّ، وَلَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ حَقَّهُ مِنَ القَوِيِّ غَيْرَ مُتَعتَع”، ويؤكّد على سيادة القانون وحماية المستضعفين.
إذن، ألدولة في الإسلام، هي الكيان المؤسّسِي المستمرّ لإقامة الدين، وضبط مسارات الفئات التي تتكوّن منها المجتمعات المنضوِية تحت لواء الدولة.
ألدولة تختلف عن السلطة؛ فهي الكيان الدائم والشامل (الأرض، الشعب، المؤسسات) الذي يُمثِّل الوطن، بينما السلطة (أو الحكومة) هي الجهاز المؤقّت والسياسيّ الذي يدير مؤسّسات الدولة ويحكمها لفترة محدّدة. الدولة ثابتة، والسلطة متغيِّرة وتخضع للتداول، والخلط بينهما يؤدّي إلى هشاشة الكيان السياسيّ.
إذن الدولة كيان سياسيّ وقانونيّ يتمتع بالسيادة على إقليم جغرافي محدّد وسكان دائمين، وهي مؤسّسة دائمة ومستمرّة لا تزول بزوال الحكّام، وهي تضمّ جميع المواطنين والمؤسّسات العامّة والخاصّة من أجل تحقيق المصلحة العامة والاستقرار والسيادة..
أمّا السلطة فهي مجموعة من الأفراد والمؤسّسات الحاكمة التي تتولّى إدارة الدولة، وممارسة القوّة الشرعية بشكل مؤقّت، تتغيّر عبر الانتخابات أو غيرها. هي جزء من الدولة، لا تمثلها بالكامل وإنّما تنفِّذ السياسات وتطبِّق القانون، وقد تعكس عقيدة (أيديولوجيا) حزب معيّن.
إذن، هناك نقاط اختلاف جوهريّة بين الدولة والسلطة:
– الدولة دائمة، أمّا السلطة فمؤقّتة.
– السلطة هي أداة تدير الدولة وتتغيّر، بينما الدولة هي الإطار الجامع.
– معارضة السلطة لا تعني معاداة الدولة.
– ألدولة تحوز الشرعية المؤسّسيّة، بينما السلطة تحوز شرعية الأداء (تقليديّة، كاريزميّة، أو قانونيّة).
ألدولة، إذن، هي “البيت” الجامع (دائمة)، والسلطة هي “إدارة” هذا البيت (مؤقّتة). إنهيار السلطة لا يعني انهيار الدولة، ولكنّ اختلاط مفهومِهِما يُضعِف الكيان.
من هنا نرى الفهم الخاطئ لمفهوم الدولة في الإسلام، الذي تنادي به كلّ الجماعات الإسلامّة (السياسيّة) على اختلاف مذاهبِها ومشارِبها.

لقد خلطت أحزاب وجماعات ما يُسمّى بالإسلام السياسيّ، بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة، فوقعت في هِواء (جمع هُوّة) الصراعات اللامتناهية التي أدّت إلى خراب ودمار وتشريد وتشتُّت وضياع..
ألإسلام دولة لا سلطة؛ وهي دولة مدنيّة دستورُها تحدِّدُه مصادر التشريع التي تضع الخطوط العريضة من القرآن والسُنّة والتاريخ (القِياس) والمكان والزمان (الإجماع). دستور أساسُه أوامر الله ونواهيه وآراء النُخَب البشريّة وخبرتهم في مجتمعاتهم وأزمِنَتِهم؛ فالدولة، بدستورها، مستمرّة وليتداوَل السلطة فيها مَن تفرِزُهُ حركة المجتمع لهذا الموقع.
لذلك، لا داعٍ لإقحام الإسلام في الصراع على السلطة واستغلالِهِ للوصول إليها؛ لأنٌ ذلك مخالف لتعاليمه ويُسهِم في تشويهِه، واحداث الفِتَن والقلاقل والفوضى التي تخرِّب البلاد وتشرِّد العباد.



