البصرة.. أُم الخليج العربي؟!

“المدارنت”
شكلت تسمية الخليج العربي منذ عقود ساحة لصراع عربي ـ فارسي، في نزاع يتجاوز الجغرافيا ويتعدى ملامح الهوية والسيادة للبلدان الخليجية. وعلى الرغم من أن حجم المساحة العربية الكبرى المطلة على هذا الممر الحيوي، مقارنة بالحجم الإيراني المتواضع، عمدت إيران وباختلاف أنظمتها القومية، أو الدينية على فرض مصطلح «الخليج الفارسي»، والعمل على توثيقه في دوائر المنظمات الدولية، مستغلة تواطؤ القوى المعادية للقضايا العربية.
ومع زيادة نفوذ دول الخليج العربي في القرن العشرين، شكّل هذا التطور الإنساني والحضاري تحديا لهذه الهيمنة التاريخية. وأصبحت تسمية الخليج العربي بأغلبية سكانه، حقيقة في رسم هوية إقليمية متميزة عن التراث الفارسي، وتعبيرا عن شكل وطبيعة النفوذ الجيو/ سياسي والبشري، الأمر الذي جعل منه رمزا قويا لا يسمح بالتنازل أو التفريط به من قبل القوى التي تشكل هذه المنطقة.
ومع كل تسمية وتوثيق من قبل الجهات الرسمية الإقليمية والعالمية لمصطلح «الخليج العربي»، تسارع إيران إلى الاعتراض والتهديد، في الوقت الذي تتمسك فيه الدول العربية بإرث تاريخي وجغرافي، تؤكده الخرائط والسواحل الممتدة من العراق إلى عُمان. تاريخيا، تزامنت أهمية الخليج العربي واتساع جدل تسميته مع تأثيرات وطموحات الإمبراطوريات والقوى التي طمعت في هذه المساحة البحرية الاستراتيجية. فمن «بحر ميشان». القريب من محيط مدينة البصرة في بداية نشوء الحضارة الإنسانية في بلاد ما بين النهرين، إلى «برسيكوس كولبوس» عند الإغريق، وصولا إلى إشكالية الاختلاف في التسمية بين الخليج العربي و”الخليج الفارسي” التي كان من أهم أسبابها، سياسة النفوذ والهيمنة التي تميزت بها الإمبراطورية الفارسية في علاقتها مع جيرانها، على الرغم من التأثير الإنساني المهم لحضارة بلاد الرافدين، ودوره في كتابة التاريخ، عند تغير موازين القوى وزوال نفوذ الإمبراطوريات المارقة.
من هنا، كان لتنامي نفوذ الإمبراطورية الأخمينية (550-330 ق.م.)، التي أسسها كورش الكبير، الأثر الكبير في تزييف التاريخ الإنساني العالمي نتيجة لغزو كورش لبلاد ما بين النهرين بأكملها عام 539 ق.م. ومن ثم إكمال داريوس الأول (522-486 ق.م.) لسيطرة الأخمينيين على منطقة الخليج، وإخضاع مدن بلاد الرافدين ومدينة البصرة ضمن الأراضي الخاضعة للجزية.
قديما ترجم تاريخ تسمية الخليج عن أهمية الحضارات والثقافات المتعاقبة التي شكلت شواطئه، حيث تشير أقدم النصوص المسمارية في بلاد ما بين النهرين، والتي يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، إلى تسمية الخليج باسم «البحر الأدنى»، أو «بحر ميشان»، الذي يمثل منفذ مدينة ميشان القريبة من محيط مدينة البصرة الحالية. وهي مدينة تاريخية أثرية مفقودة تقع في جنوب العراق (محافظة البصرة حاليا)، وتُعد عاصمة مملكة ميسان العربية التاريخية، والتي تُعرف محليا بمدينة «خيابر»، التي تقع في ناحية النشوة بقضاء شط العرب في محافظة البصرة جنوبي العراق، والتي بُنيت عام 324 ق.م على يد الإسكندر المقدوني، لتكون قاعدة إستراتيجية وميناء مهما وتُعد عاصمة مملكة ميسان العربية التاريخية.
ولم تقتصر تسمية الخليج العربي في بداية عصر الحضارات، من خلال ما سمي بخليج ميشان القريب من محيط مدينة البصرة الحالية، حيث ترجمت مدونات الحقبة العثمانية والاستشراق، التي نظمها المستشرقون في البصرة عام 1623 عمق جذور الثوابت التاريخية والحضارية لبلاد ما بين النهرين وعلاقتها التاريخية والإنسانية بالخليج العربي.
أحد هذه الثوابت نجدها في كتاب خطاب حول التاريخ العالمي «Discourse sur I ‘histoire universelle « الصادر في عام 1681 للمؤرخ الفرنسي ومدرس خليفة ملك فرنسا لويس الرابع عشر «جاك بينين بوسويه»، الذي يظهر في طياته إحدى خرائط الخليج العربي باسم «خليج البصرة، والذي يستحضر فيه الجغرافيا الحضارية لمهد الحضارات الأولى، واعتبار البصرة» بمثابة إطار مرجعي جغرافي في بلاد ما بين النهرين.
من هنا لم تكن تسمية الخليج العربي بخليج البصرة، في الوثائق والخرائط العثمانية وكتب المستشرقين، وليدة الخطاب العثماني الحاكم لولاية البصرة، بل إن تسميتها، أتت من جذور هذه المدينة ومكانتها في مدونات التاريخ الإنساني، التي هي أبعد عمقا وأكثر صدقا من قصص وأساطير الإمبراطوريات المارقة التي طمعت في هذه المساحة البحرية الاستراتيجية، كونها تشكل شاهدا تاريخيا مهما في مكانة بلاد الرافدين الحضارية في التاريخ الإنساني وعمقا في ثبات الحضور العربي في هذا الموقع المهم في العالم.



