مقالات
التربية تنقلب رأساً على عقب!

خاص “المدارنت”..
… شهد القرن الواحد والعشرون أحداثاً جساماً في كل المجالات وفي كل مناحي الحياة، ولقد اتخذ الكثير من هذه الأحداث شكل الثورة أو الإنفجار الذي دوّى حتى في هذا العالم وقلب مفاهيمه وغيّر اتجاهاته، منتجاً ثلاث ثورات: معرفية، تكنولوجية، وآمال بشرية..
ولقد تركت كل ثورة من هذه الثورات أثرها البالغ في التربية ولا بد أن يكون واجب التربية حيالها أن يكون واضحاً وبنّاءً.
فالثورة المعرفية لا تكون فقط ضمن صفحات في كتاب مدرسي أو نحوه، بل إن الكشف عن حقائق العلم لا يزال سارياً عند العلماء لذلك هناك معارف ربما قيد التجربة أو قيد التدوين، ثم إن المعارف التي تراكمت لدى الإنسان في كل المجالات، تخضع الآن لعملية معقدة من إعادة التنظيم والبناء النظري الجديد بغية الإستعانة بها في فهم الإنسان والعالم من حوله، والحق أن مثل هذه العملية تفوق قدرة أي إنسان على التمييز، وإنها لحقيقة ذات دلالة عميقة، بالنسبة للإنسان، التأكيد بعجز قلة من الناس على الإعتماد على التربية في التفكير والأداء وحتى السلوك. في التاريخ، استعملت التربية وسيلة للسلطة يمنحها أصحاب السلطة لمن شاؤوا ويمنعونها عمن شاؤوا.
ولقد هاجم المعلمون هذا الأمر فأشاروا إلى مبلغ ما فيه من ظلم، وإذا كانت القدرة على تغيير الأحوال قد بقيت في أيدي أولئك الذين كانت مصالحهم تقضي بإبقاء القديم على قِدَمه، فإن الظروف قد تغيرت الآن وفي كل أنحاء العالم على تبدل جذري تحسنت معه ظروف الحياة بل إن بعض البيوتات التي كانت تحتكر العلم والمعرفة أخذت تتداعى وانفتحت الأبواب أمام كل طارق راغب في الدخول قادر عليه.
أما في التكنولوجيا، أي تطبيق العلم في العمل، فالثورة أظهر وأوضح، فإن حياتنا اليوم تتم في ظل العلم وفي ظل خيراته وشروره، لقد كانت التربية في الماضي تحرص على أن تقدم لطالب العلم قوالبها القاسية بزعمها أنها بذلك تحفظ التراث البشري، أما اليوم، فالتغيير الذي أحدثه التقدم التكنولوجي جعل من العسير تحديد ما يجب لاستمرار هذا التغيير وذاك التقدم. لذلك، كان يجب الحرص على التربية أن تستعيد الزمام وأن تبادر المواجهة للثورة التكنولوجية وأن تسيّرها معها جنباً إلى جنب، حيث تكون المناهج والبرامج والخطط إزاء ذلك كله، حيث أن البحوث العلمية والإجتماعية اللازمة في هذا الخصوص مفتقدة.
وعن ثورة الآمال البشرية حدّث ولا حرج، فلقد بدأت الشعوب الفقيرة الأمية المعزولة تستيقظ لترى أن ثمة في العالم أحوالاً خيراً من أحوالها، وأن هذه الأحوال الأحسن ليست من خصائص “يوم آخر” ولكنها موجودة في يومنا هذا، في هذه الحياة “الدنيا”، وإذا كنا لا نعرف تماماً سبب انتشار هذا الوعي، فإنا نعلم علم اليقين أنه منتشر لدرجة لم يكن يقدّرها متفائل، ولا شك في أن واحداً من أهم آمال البشرية هو توقها إلى العلم والمعرفة.
ومن هنا كان لا بد للراغب في تفهم الأمية وانتشارها في العالم العربي خصوصاً وهذا يدل على تقصير الكثير من الباحثين لقلة بصيرتهم وسرعة خيبة آمالهم، فهم يعجزون عن رؤية أنه من غير الممكن مكان لكل إنسان إلا بتعليم الجميع وهنا لا بد من الإشارة أن كل أمة قادرة على الإتيان بما هو فريد في الحضارة الإنسانية وأن أهم ما يجب أن يحرص عليه المربي هو النظرة إلى المصير الإنساني والآمال الإنسانية بصفتها المشتركة وبهذا فقط يتم إغناء التراث المشترك لأمم الأرض ويتحقق التفاهم العالمي والسلام الدائم وفي كل الأحوال، فإن إضافة قيم أمة إلى قيم أخرى كفيلة بأن تخلق حضارة عالمية مشتركة أغنى من أية حضارة فردية…
=======================


