التضحية بالطفولة العربية بالنفاق!

“المدارنت”
في رواية شهيرة للكاتب الروسي المبدع فيودور ديستويفسكي، بعنوان: «الإخوة كارامازوف»، يتحدى أحد أبطالها، إيفان، صديقاً له بالقول: «أخبرني بصراحة وصدق، متخيلاً أنك أعطيت مسؤولية بناء صرح مصير الإنسان، الذي يهدف لجلب السعادة والسلام الداخلي والرضى عن النفس لدى الناس، لكن بشرط، من أجل النجاح في تحقيق تلك المهمة، عليك أن تمارس تعذيب كائن صغير مثل تلك الطفلة التي تقف أمامك باكية وهي تضرب صدرها بأناملها الصغيرة.. وتخيّل أن بناء ذلك الصرح يجب أن يقام فوق دموعها … فهل تقبل أن تكون المهندس الذي يقوم بتلك المهمة؟
أرجو أن تجيبني يا صديقي بأمانة.
ليس ذلك السؤال بالعابر، بل هو سؤال فلسفي عميق يفتش عن القيمة الروحية والسلوك الأخلاقي اللذين يجب أن يحكما الوجود الإنساني في عالمنا المتوحش.
ويبقى السؤال بالصورة التي طرح بها بدون جواب قاطع في الرواية. ومع ذلك سنتجرأ ونطرحه على الواقع العربي، ونوجهه لا لصديق كما فعل إيفان وإنما لرؤساء أنظمة الحكم أو من يمثلهم في أرض العرب.
إن عدداً كبيراً منكم قد تجرأ، بدون خوف من الله أو عذاب ضمير، وأجاب على هذا السؤال. أنتم يومياً تقف أمامكم مئات الفتيات الصغيرات من بنات فلسطين ولبنان وسوريا والسودان واليمن وغيرها، وهن يضربن صدورهنّ بأصابعهنّ الصغيرة المرتجفة وهن باكيات مستغيثات، لكن ذلك لا يؤثر فيكم، إذ تبقون منشغلين ببناء شتى الصروح التي تهمكم دون انتباه لانهمار دموعهن ودمائهنّ وآهاتهنّ فوق أرض العرب. فما لم يجرؤ صديق إيفان على قوله وفعله تفعلونه يومياً من خلال سكوتكم المريب تجاه طفولة العرب على أيادي الإجرام الصهيوني اللامبالي، بل المتفاخر.
وزجّ ديستويفسكي ببراءة الطفولة في مشاهد عبث الكبار قصد به الوصول بالمأساة الوجودية الإنسانية إلى قمة التساؤل الموجع.
وفضح ديستويفسكي للنفاق البشري بقول بعضهم من أنهم يهدفون للوصول إلى سعادة الإنسان حتى لو تم ذلك على حساب آلام وعذابات الطفولة البريئة نراه أمامنا وأنتم، المسؤولون العرب، تمارسون نفس النفاق والجبن مع الجلاد القاتل الصهيوني أو مع العابث العربي الذي يقف بجانبه ليناوله السكين القاتلة.
أنتم أيضاً تدعون بأنكم تهدفون من خلال سكوتكم المريب إنقاذ الطفولة العربية في فلسطين ولبنان وغيرهما من أيادي العابثين المقاومين العرب.
ثم، هل يقف الأمر عند طفلة واقفة باكية تضرب صدرها بأناملها الصغيرة الضعيفة؟ ماذا عن ملايين الأطفال العرب من الذين لا يحصلون على تعليم، والذين يزداد عددهم شهرياً بسبب الحروب والصراعات العبثية، ألن يقفوا في صف واحد مع طفلة ديستويفسكي الباكية؟
وماذا عن انتشار التقزّم إلى نسبة 15% بين أطفال العرب بسبب قلة وسوء التغذية التي ولدتها الحروب والصراعات والفقر والهجرات إلى المنافي؟ ألن ينضموا إلى طفلة ديستويفسكي الواقفة الباكية في بلاد العرب جيلاً بعد جيل في المستقبل القريب والبعيد؟
وماذا عن وصول الملايين من أولئك الأطفال في المستقبل القريب إلى سن العمل ليجدوا أن واحداً من كل أربعة منهم لن يحصل على فرصة تعليم ولا فرصة عمل؟ ألن ينضموا إلى صف الفتاة الواقفة الباكية ليبكوا وليلطموا الصدور والخدود؟
وأخيراً، ماذا عن ملايين أطفال العرب الذين لا يحصلون على رعاية صحية كافية ويعانون الأمراض والعلل والعاهات بعد أن تخلت أنظمة حكمكم عن مسؤولية الرعاية الصحية وخصخصتها لتصبح مصدر ثراء لشركات التأمين الشّرهة؟ ألن يقفوا مع الطفلة الباكية؟
لم يجرؤ صديق إيفان على الإجابة، أما أنتم فأبواقكم المستأجرة تصدح ليل نهار بأنكم تحاولون وتنجحون في إقامة صرح الطمأنينة والسعادة لكل الناس، حتى ولو تمت هذه المهمة على حساب دموع وآهات أطفال العرب الواقفين في صفوف الإهمال والعذابات التي لا تنتهي.



