مقالات

الثورة العربية الكبرى واصلة وإن طال السفر..

د. علي ابراهيم*/ السودان

خاص “المدارنت”..

أدت الشعوب العربية في القرن الماضي، نضالاً شرساً وجسوراً ضدّ القوى الإستعمارية الاوروبية الدخيلة، واستطاعت بأدوات غير متكافئة، متسلحة بقوة الإرادة والإيمان بالرسالة الوطنية، أن تهزم الآلة، وتلحق الهزيمة بأكبر ترسانة عسكرية في ذلك الزمان، وتعيد الى الأمة كرامتها، وتحلق بها في أجواء من الأمل والأحلام العريضة، في الحرية والعدالة والديموقراطية والسلام وحكم القانون والتنمية والرفاهية

.لم تأت مرحلة ما بعد التحرير والإستقلال بما تشتهي سفن تلك الشعوب، حيث زرعت الدولة الصهيونية في خاصرة الأمة، كترياق مضاد للمد القومي، ومسيرته المتحركة نحو البناء والتقدم الحثيث نحو الوحدة العربية الجامعة.

وشغلت مواجهة العدو الصهيوني حيزا كبيرا من الهم الوطني، أدى إلى قدر كبير من إستنزاف الموارد البشرية والإقتصادية للدول العربية وإدخال بعضها في محاور الحرب الباردة، وأضحت جزء من تحالفاتها الإقليمية، وبالتالي خرجت عن دائرة القيادة والريادة والإمساك المباشر بالإرادة الحرة في إتخاذ القرار  .

وجاءت هزيمة حزيران عام 1967، لتشكل واقعا جديدا ومريرا، ساد بعده جوّ من الإنهزام النفسي والإحباط وكنتيجة غير طبيعية، إستولت بعض الجيوش العربية على أنظمة الحكم في عدد من الدول العربية المهمة، وخلقت أرضية للإستبداد والفساد والمحسوبية، وطفح على السطح الكثير من الآثار السالبة كالبطالة والفقر وهجرة العقول والكوادر العلمية والتقنية المؤهلة، الى خارج الوطن العربي، بحثا عن حياة أفضل تسودها الحرية والعدالة والكرامة.

وفي سعي هذه الأنظمة الى الإرتكاز على قاعدة فكرية وحاضنة سياسية وإجتماعية، تبنت أفكار القومية العربية، ودعت إلى وطن عربي واحد وجيش عربي واحد، وجعلت محور حركتها إستعادة الأرض المحتلة من الغاصب الصهيوني، ونهجت – وبلا دراسة عميقة للواقع القبلي والعشائري – إلى إقتصاد مركزي، زاد من الظلم والطغيان بين العامة مقابل ثراء فاحش لطبقة الحكام، وبطانتهم من ضاربي الطبول وحارقي البخور.

وبعد فشل تجارب الوحدة العربية بمسوغ فكرة القومية العربية، جاءت مجموعات الإسلام السياسي بدعوى أن الإسلام هو الحل، لتشكل ردة للحس والشعور العربيين الناهضين والواثبين إلى الديموقراطية، وحكم الشعب، ومن ثم الإمساك بمهمة القيادة والريادة.

ولم تفلح كل المحاولات الصادمة والعنيفة، وكذلك الخجولة، في أن تخرج المجتمعات العربية من ثالوث الإستبداد والفقر والبطالة.. وكان حريا بالشعوب العربية أن تنتفض، وتثور في مواجهة هذا القهر المجتمعي. وهذه هي طبيعة الأشياء، والقدر الناجز، والذي هو لا محالة واقع، والدرس المستفاد من التاريخ و تجارب الشعوب.

جاءت بشائر هذه الثورة العربية الكبرى من تونس، وتبعتها مصر واليمن وليبيا، فيما سمي  بثورات الربيع العربي، وعلى الرغم من إنتصار الجماهير وسقوط الطغاة، إلا أن هذه الثورات لم تصل إلى نهاياتها المنشودة ومبتغاها المرجو لعدة عوامل موضوعية.

وأهمها، ضعف البنية التنظيمية لحركات الثورة السياسية، وعدم وضوح الرؤية والأهداف لمرحلة ما بعد التغيير، وقلة الكوادر البشرية المؤهلة لإستلام مهام المسؤولية السياسية والعدلية والإقتصادية فى تلك المرحلة.

 وفي المقابل، كانت قوى الثورة المضادة المتمثلة في منتسبي الأنظمة الساقطة – والتي فقدت مصالحها وإمتيازاتها وتميزها – جاهزة بعدتها وعتادها، لتقاتل بكل ما تملك من القوة من أجل إستعادة مواقعها وإرجاع سطوتها.

يضاف إلى ذلك، وجود المؤسسة العسكرية والأمنية، اللتان كانتا هما المسيطرتان والحاكمتان  لعدة عقود، والحاصلتان على إمتيازات لا حصر لها على كل الأصعدة، وجدتا نفسيهما خارج نطاق السلطة والثروة والجاه، وبالتالي أصبحتا هما المهددتان لأي تغيير جذري، يؤسس لنظام ديموقراطي حقيقي، تسوده قيم العدالة والشفافية والديموقراطية.

وظهرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية كقوة جديدة في المنطقة، لها أجندتها الخاصة في الإقليم، ومدت أفرعها في الكثير من الدول العربية، وبخاصة العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والبحرين، وعاثت فيها تخريبا وفرقة .

كانت مآلات  الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، عودة الحرس القديم في تونس في تحالف مع الإسلام السياسي، الذي وعى درس التجربة المصرية، وزاوج بين العلمانية وطرحه الديني. ولا تزال التجربة هشة، وفي تأرجح بين القوى السياسية المختلفة ولم تحقق مبادئ الثورة.

وفي مصر، سقطت الثورة تحت أقدام العسكر، وسطى  الجيش مرة أخرى على السلطة، وأحكم قبضته الكاملة على السياسة والإقتصاد والإعلام والأنظمة العدلية، في شمولية يمكن اعتبارها مثالا للقهر والإستبداد، بينما القوى الثورية التي صنعت الثورة تهيم على وجهها، باحثة عن مخارج جديدة، لبعث انتفاضة شعبية، تعيد وهج الأمل لنظام جماهيري يضع السلطة في يد الشعب.

وفي ليبيا، ضربت الفوضى أطنابها في كل أنحاء البلاد، ودخلت في حرب أهلية، تغذيها دول إقليمية ودولية، ونصبت حكومتين، واحدة  في طبرق، والأخرى في طرابلس الغرب.

 وفشلت كل المحاولات الدولية في الوصول إلى تسوية سلمية، وأصبحت القبلية والجهوية هي العنوان البارز في صراع لا طائل من ورائه، تاركا إقتصاد وخيرات ليبيا عرضة للنهب والضياع.

واليمن السعيد، أضحى شقيا بحرب أهلية طائفية، وصلت إليها اليد الإيرانية، داعمة بالمال والسلاح والرجال. والجماهير التي خرجت تبحث عن  الحرية والرفاهية، أضحت غارقة في بحور  العوز والمرض والدمار الشامل.

الثورة السورية، هي الاخرى قادت البلاد إلى مأساة، وبعد 10 سنوات من الحراك الشعبي الثوري، دمرت مدن وقرى بكاملها، وهجر حوالي 5 ملايين مواطن، وقتل مئات الآلاف العزل من أطفال ونساء وشيوخ، وأصبحت سوريا ساحة تتعارك فيها القوى المحلية والإقليمية والدولية، وتجرب على شعبها المسالم شتى أنواع الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا. وفقدت أهداف الثورة وقيمها، في غمرة هذا الصراع، الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وكثرت وتعددت المنابر والجهات والقوى، حتى أصبح من الصعب أن تفرق بين هذا وذاك.

مضت سنوات عديدة، وثالوث الفقر والإستبداد والبطالة، يفعل ويؤثر ويحرك سلبيا على السواد الأعظم من الشعوب العربية .

أشعلت شرارة الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي من السودان، عصبها ووقودها الشباب وكان للعنصر النسائي القدح المعلى في تحريك الجماهير وقيادة الحراك الشعبي إلى النصر، وإقتلاع نظام البشير، الذي كان من أسوأ أنظمة الحكم في العالم ، ثم إنطلقت ثورة الشعب الجزائري مواكبة لثورة السودان، وقادت إلى إسقاط نظام بوتفليقة، وما فتئت تتفاعل وصولا إلى غايتها.

وهنا، يبرز كثير من أوجه التشابه بين الحالتين، من حيث المسببات والمنطلقات المحركة لكلاهما، ومن حيث وصولهما إلى محطة فارقة، بفعل تدخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوجيه مسار الثورة إلى مرامي بعيدة عن أهدافها الحقيقية المعلنة، يضاف إلى ذلك، تربص قوى الثورة المضادة، المتمثلة في بقايا النظام السابق للإنقضاض على الثورة الوليدة.

وبذات القدر من التشابه في المسببات المنطلقات المحركة الظاهرة والباطنة، ثم تفجرت تباعا ثورتا  لبنان والعراق، واللتان علتا فيهما شعارات المواطنة المتساوية رفضا للنظام الطائفي والجهوي المتحكمان والمسيطران فى البلدين، برعاية ودعم إيراني شعبوي، إزدهر فيه الفساد وطغت المحسوبية في محاصصة بغيضة، غابت عنها المحاسبة والرادع.

وكان طبيعيا أن تتحرك العناصر الراضعة من ثديي الفساد والنهب الإقتصادي،  في شيطنة الثورة حينا، وضرب المتظاهرين السلميين حينا آخر، في سعي شرير من أجل جرّ البلدين إلى حرب أهلية، ولكن وعي الثوار أسقط كل تلك المحاولات حتى هذه اللحظة.

من مسيرة ثورات الربيع العربي في نسخته الأولى والثانية، نستخلص عبر وملاحظات ونتائج، أولها، أن ثالوث الإستبداد والفقر والبطالة، يضاف إليه النظام الطائفي الذي لا يزال يخيم على معظم الدول العربية، وبالتالي، أسباب الثورة والإحتقان قائمة، وستظل في مكانها الى حين حدوث تغيير جذري في البنية السياسية والتركيبة المجتمعية للشعوب العربية.

وثانيها، أن الأحزاب السياسية في العالم العربي ضعيفة التنظيم، ولا تتبنى منهجا فكريا مقنعا وجاذبا ومحفزا للأجيال الناهضة الجديدة، وبعضها قد أكمل دورته التاريخية، وأضحى عصيا عليه التجديد والإبداع، ومواكبة متغيرات الزمان والمكان، وبالتالي خرج عن دائرة الحياة، ويقف على غاب قوسين أو أدنى من الإندثار.

وفى ظل هذا الخواء السياسي والفكري للنظام السياسي العربي، تظل المؤسسة العسكرية هي الأكثر تنظيما، والقادرة على إحداث التغيير السلبي في الحياة السياسية. وعليه، ينبغي أن ينص الدستور بوضوح في كل البلاد العربية، أن مهمة الجيش هي حماية الأوطان، ويحرّم عليه التعامل بالسياسة، حتى لا يكون حائلا ومهددا وعائقا للتطور السياسي.

وعلى الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، أن تحدث وتنظم وتطور نفسها وتعدها بالدراسات والمناهج العلمية، لتقوم بدورها في قيادة المجتمع، وإحداث التغيير وتثبيته بمفاهيم مبتكرة، عملية وعلمية ومقنعة. وأن تصبح جاذبة للأجيال الجديدة.

ثالثها، أن كل الثورات العربية، لم تصل إلى غاياتها وأهدافها، بعضها أجهض، والبعض الآخر تعرض إلى إنتكاسات خطيرة، حادت به عن جادة الطريق.

  والثورات التي تتفاعل وتتحرك في هذه  الأثناء،  في السودان والجزائر ولبنان والعراق، تقف أمام مخاطر التصفية والسرقة والإنقضاض عليها، من قبل المؤسسة العسكرية، والدولة العميقة المرتبطة بالأنظمة السابقة والمتحكمة في مفاصل الدولة الإقتصادية والإعلامية والعدلية.

رابعها، أن الشعوب العربية، التي لا تزال بعيدة عن معترك الثورة، لوجودها في دائرة النعيم الوهمي والزائف، ستجد نفسها أمام واقع مأساوي ناتج عن إقتصاد مرهون بالكامل  للغرب،  وفي مظلة دول غير آمنة، وتدفع فاتورة استقرارها بمئات الملايين، لأعدائها المباشرين وغير المباشرين، من أجل ملك عضوض لا مفر من زواله .

 وهذا الواقع، حتما سيدفع إلى الثورة والتحرر من تلك الأنظمة البالية، التي رهنت مقدرات شعوبها لمن لا يستحق ولا يؤمن عليه، وجعلت مستقبلها مقيد بأحكام ومفاتيح ليست بيدها. وقريبا ستدرك تلك الشعوب، أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

خامسها، أن الثورات العربية أظهرت وعيا عظيما للشباب العربي، في الواقع الذي يعيشه بصورة أذهلت كل المراقبين والمتابعين للشأن السياسي والإجتماعي والإقتصادي في المنطقة، مما أكد بما لا يدع مجالا للشك، في أن مستقبل العالم العربي سوف يكون في أيادي أمينة، سوف تكون مسيرته واصلة بإذن الله إلى نصر أكيد، مهما تكالب عليه الأعداء وخير شاهد ماثل، أن الثوار ولجان المقاومة الشعبية لا تزال متواجدة في الشارع السوداني والجزائري واللبناني والعراقي، في تحدي للعنف، ومتمسكة بأهداف الثورة وعاضة عليها بالنواجذ .

والظاهرة التي تستحق الإنتباه، وينبغي التركيز عليها، هو أن جل هذا الشباب غير منتمي الى الأحزاب والحركات السياسية القائمة، وينظم نفسه بطريقة تلقائية في مجموعات على حسب الحاجة والظرف والغرض، بعيدا عن أي أيديولوجية أو قالب سياسي. وأنه متمرد ورافض للنظام السياسي القديم، الطائفي والقبلي، كما هو الحال في لبنان والعراق، وقدم صفعة رادعة للتدخل الصفوي الشعبوي الإيراني.

وهذا الجيل هو الحاضر وكل المستقبل. ورؤيته المتقدمة هذه، ستقود حتما إلى تكوين ونشأة أحزاب جديدة، تستوعب تطلعاته ونظرته الثاقبة والجدية والجديدة للنظام السياسي الوطني والعربي، وهذا يفرض على كل  الأحزاب السياسية العتيقة، أن تطور وتجدد خطابها السياسي، ليتعامل ويتفاعل مع معطيات العصر.

لقد أثبتت ثورات الربيع العربي، أن الشباب العربي ملك زمام المبادرة، وكسر حاجز الخوف، وأعاد الثقة بالنفس وبالمستقبل، وأحدث تغييرا بينا في حركة النضال من اجل الحرية والكرامة و العدالة، جعلها ميسرة ومتاحة ومنظورة بالعين المجردة.

وما كان بعيدا صار قريبا، وما كان مستحيلا، أضحى مقدور عليه بفعل الإرادة والتصميم والعزم.

الشعوب العربية لم تعد كما هي قبل عقد من الزمان. ويقينى أن الثورة العربية الكبرى، ستعم كل الوطن العربي، وستصل  إلى النصر الأكيد، وتحقق  الديموقراطية، وتبسط الحريات. متسلحة بقوة الإرادة، وإعمال الفكر ووضوح الرؤية والهدف.

* ناشط سياسي. 

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى