الجزائر تختار المواجهة بقطع علاقاتها الديبلوماسية مع أبو ظبي!
“المدارنت”
توقفت صحيفة “لوموند” الفرنسية عند قطع علاقاتها الديبلوماسية مع الإمارات، متحدثة عن “صدمة مدوية” في الجغرافيا السياسية الإقليمية ما تزال تداعياتها غير واضحة.
الجزائر بررت خطوتها بـ“تزايد الأعمال الاستفزازية أو العدائية” الصادرة عن أبوظبي، بحسب ما جاء في بيان لوزارة الخارجية الجزائرية. ولم يحدد البيان طبيعة هذه الأعمال غير الودية المنسوبة إلى الدولة الخليجية النفطية. إلا أن لهجة الخطاب بين البلدين لم تتوقف عن التصاعد، بالتزامن مع تنامي انخراط الإمارات في عدد من بؤر الأزمات في منطقة الساحل، بما أدى إلى تصادم هذا الدور المتزايد مع المصالح الجزائرية، توضح “لوموند”.
فمن السودان إلى مالي، مروراً بالنيجر وليبيا، تدعم أبوظبي بالفعل قوى سياسية وعسكرية تعتبرها الجزائر تهديداً إستراتيجياً. ناهيك، بطبيعة الحال، عن التقارب المتزايد منذ نهاية عام 2020 بين الإمارات والمغرب في إطار ما يسمى “اتفاقات أبراهام” لتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وقد نشأ هذا المحور الإماراتي- المغربي في وقت عاد فيه النزاع حول الصحراء الغربية إلى الواجهة، إلى درجة قطع العلاقات الديبلوماسية بين الجزائر والرباط. كما أن هذا المحور، المدعوم من إسرائيل، أجّج في الجزائر المخاوف من وجود مؤامرة معادية تعمل على إضعاف حدودها، تضيف “لوموند”.
كانت الهوة التي اتسعت تدريجياً بين الجزائر وأبو ظبي، أمراً غير مسبوق تماماً في علاقات الجزائر الخارجية، توضح “لوموند”، مشيرة إلى أنه كان يُنظر إلى الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة على أنه قريب جداً من الإمارات، التي لجأ إليها خلال سنوات منفاه. كما زار رئيس أركان الجيش آنذاك، أحمد قايد صالح، أبوظبي في عامي 2017 و2019، بمناسبة معرض الدفاع “آيدكس” الذي يستقطب العاملين في قطاع التسلح من مختلف أنحاء العالم.
“إذلال وانقسام”
واعتبرت “لوموند” أن قطع العلاقات الديبلوماسية الذي أُعلن عنه يوم الخميس يشكل مفاجأة، لا سيما وأن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كان قد استبعد هذا الاحتمال. ففي 27 يوليو، وخلال مقابلة مع وسائل الإعلام الوطنية، إنتقد بشدة تحركات الإمارات العربية المتحدة، من دون أن يذكرها بالاسم صراحة، قائلا: “أحيانا أتحدث عن دولة صغيرة لأن تأثيرها سلبي للغاية. أينما تطأ قدمها يسيل الدم. هذا أمر خطير، ولدينا أدلة”. وأضاف أن كل ما تريده الجزائر هو أن “تبتعد هذه الدولة حتى لا يسيل الدم عندهم”.

ومع ذلك، لم يكن قطع العلاقات يبدو مناسباً له في ذلك الوقت بالنظر إلى الوضع الإقليمي. وقال تبون أيضاً: “هناك الكثير من الانقسام في العالم العربي، ونحن لا نريد أن نفاقم الوضع. وإلا لكنا قطعنا منذ وقت طويل علاقاتنا مع هذه الدولة الصغيرة، التي لا يصدر عنها سوى الإذلال والانقسام”.
فماذا حدث إذاً حتى تقدم الجزائر على هذه الخطوة؟ تتساءل “لوموند”، قائلة إنه في غياب توضيحات بشأن “الأعمال العدائية” المنسوبة إلى “الدولة الصغيرة”، يجد المراقبون للمشهد في منطقة الساحل أنفسهم أمام الكثير من التكهنات. ومن المرجح أن تكون محاولة الانقلاب التي أُحبطت واستهدفت المجلس العسكري الحاكم في النيجر يوم 29 أغسطس قد شكلت نقطة تحول. فهل كانت الجزائر قد حصلت على أدلة بشأن دور محتمل للإمارات في دعم المتمردين؟ تتساءل الصحيفة الفرنسية.
على أي حال، تضيف “لوموند”، بدا الوضع خطيراً بما يكفي بالنسبة إلى الرئيس تبون لتبرير إرسال أربع طائرات “سوخوي سو-30” وطائرتي “إليوشين”، في اليوم التالي لمحاولة الانقلاب في النيجر. وكانت هذه أول مظاهر التغيير الفعلي في العقيدة الجزائرية المتعلقة بإسقاط القوة العسكرية خارج الحدود. فقد أضفى التعديل الدستوري لعام 2020 طابعاً قانونياً على مثل هذا التدخل، منهياً بذلك تقليداً من عدم التدخل كان موروثاً عن الدبلوماسية الجزائرية ذات التوجه المناصر لقضايا العالم الثالث خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
تصادم المصالح
وتزداد أهمية النيجر بالنسبة إلى الجزائر، لأنها تنظر إليها باعتبارها منصة لانطلاق مشروع لاستعادة نفوذها الذي فقدته في منطقة الساحل. إلا أن المجلس العسكري في نيامي مهدد من جانب كتائب جهادية تابعة لتنظيمي القاعدة و“الدولة”، وكذلك من مجموعات معارضة مسلحة تتمركز في شمال البلاد، عند الحدود مع ليبيا.
وبعض هذه المجموعات، ولا سيما “الجبهة الوطنية للتحرير” التي يقودها المتمرد الطوارقي محمود صلاح، تربطها علاقات وثيقة بصدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر ووريثه السياسي، وهو “الرجل القوي” في شرق ليبيا، والذي تنظر إليه الجزائر باعتباره أداة إماراتية، وفق “لوموند” دائما.
ويضاف المسرح السوداني إلى تصادم المصالح بين الجزائر والإمارات. ففي حين تدعم الأولى الجيش السوداني في الخرطوم، تقوم الثانية بتسليح وتمويل قوات الدعم السريع التابعة لمحمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”، تقول “لوموند”.

وتنقل الصحيفة عن جلال حرشاوي، الباحث المتخصص في شؤون الساحل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني، قوله إنه المرجح أن يكون تطور المشهد الجيوسياسي المحيط بالأزمة السودانية قد لعب دوراً في قرار الجزائر قطع علاقاتها مع أبوظبي. فدعم الإمارات لقوات الدعم السريع يضع الجزائر الآن في المعسكر نفسه مع شركاء “ميثاق مكة” ــ باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية ــ في هذا الملف الإقليمي شديد الانفجار.
ويضيف جلال حرشاوي: “يبدو المسرح السوداني بعيداً، لكن القراءة التي تفرض نفسها بشكل متزايد في العواصم الإقليمية هي أن هذه الأزمة تغذي انتقال الانقسامات، من السودان إلى تشاد، ثم إلى النيجر”.
أما روسيا، فيبدو أنها ترى تقارباً في مصالحها مع مصالح الجزائر، سواء بشأن السودان أو النيجر، وبدرجة أقل بشأن مالي. وقد يكون هذا الاصطفاف الجديد للقوى في منطقة الساحل قد منح الجزائر ثقة إضافية، أتاحت لها تحمل مخاطر الدخول في مواجهة مع أبوظبي. إلا أن الأمر قد يكون أيضاً، كما يفترض أحد المراقبين الجزائريين، “مناورة لصرف الانتباه” من جانب عبد المجيد تبون، هدفها تحويل الأنظار عن الصعوبات الداخلية في الجزائر.



