“الحراك الشعبي السوداني” في ميزان “الحراك العربي”

//خاص المدارنت//… أخبار السودان المفرحة. التوقيع بالأحرف الأولى على “وثيقة الإعلان الدستوري” للمرحلة الإنتقالية، والتي نصّت على الإنتقال من نظام حكم رئاسي إلى برلماني، بحيث ستتركز السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء.
إن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا، بل يجب بأن تطرح من قبل المهتمين بالشأن العربي عموما والسوداني على وجه الخصوص، لماذا نجح ذلك الحراك في السودان في تحقيق تلك النتائج المرضية حتى الآن، ولم ينجح ذلك في كثير من المجتمعات العربية التي سبقتها، خصوصا المجتمع الجزائري الذي ترافق حراكه معه؟
هل لطبيعة المجتمع السوداني المسالمة دورا في ذلك؟ وهل لتلك الصبغة الصوفية المتجذرة فيه، أفرادا ومكونات مختلفة عموما، ونخبا، مدنيين وعسكريين، وكل الكيانات السياسية والحزبية والنقابية دورا في ذلك؟ وهل للحراك الشعبي العربي في الكثير من المجتمعات العربية والتي سبقتها دورا في ذلك، لا سيما من حيث الإستفادة منه؟ وهل للظروف المحلية والإقليمية والدولية دورا في ذلك، بخاصة الدور الإثيوبي؟ وما مدى درجة التأثير لتلك الأدوار كل على حدة ومجتمعة؟
وغيرها وغيرها من الأسئلة التي تطرح نفسها هنا وتطرح.
إن لكل تلك الأدوار تأثيرا مهما في ذلك، وبنسب متفاوتة هنا وهناك في الكثرة والقلة، وفي الإيجابية والسلبية في مدى درجاتها، وأن العامل الأهم والدور الأهم من كل ذلك، والأكثر أثرا وتأثيرا في تلك النتائج الإيجابية التي وصل إليها ذلك الحراك، يتمثل بأن عملية التغيير تلك وما نتج عنها حتى الآن، قد استوفت وامتلكت الحد الأعلى من الشروط الموضوعية اللازمة، لإنجاح وإنجاز أي عملية تغييرية.
أبرز تلك الشروط تتمثل بوجود الشعور والإحساس، وعيا قبل سلوكا,، بالحاجة الماسة والضرورية في أقصى صورها لتلك العملية التغييرية، وبالتعطش الشديد لها، وبالرغبة الجامحة الى القيام بها، وبالعزيمة القوية والإرادة الفولاذية والطموح الجامح لإنجازها وإنجاحها، ذلك كله ليس لدى العامة فقط، بل لدى العامة والنخبة معا.
تمثل ذلك عبر ذلك التلاحم الشعبي ـ النخبوي القوي والشديد، والذي عجزت كل المحاولات على النيل منه وتفكيكه، فذلك الحراك، لم يكن حراكا شعبيا فقط، أو حراكا نخبويا فقط، بل كان حراكا شعبيا – نخبويا بإمتياز.
إضافة إلى توفر شرط أخر مهم من تلك الشروط الموضوعية، وهو وجود تلك النخبة المؤهلة تأهيلا جيدا للقيام بذلك، فهي نخبة تتوفر لديها كل الشروط الذاتية الخاصة بها وفي مجملها، لكي تؤدي الدور المناط بها، متناسقة ومتناغمة مع بعضها البعض من جهة، ومعها ككل ومع المجتمع من جهة أخرى، ومنظمة تنظيما وليس تنظيميا محكما وعلى درجة عالية، يتجلى ذلك واضحا من خلال ذلك التماسك فيما بينها البين من جهة، وفيما بينها مجتمعة وبين المجتمع من جهة أخرى.
وهناك شرط آخر مهم جدا، توفر لها، والذي يعتبر الجامع والدليل النظري والعملي والوقعي لعملية السير والطريق نحو ذلك، وهو وجود الرؤية التغييرية الشاملة والواضحة لدى تلك النخب، فمن خلال تلك النتائج حتى الآن، يمكن القول بأن تلك النخب قد تخلت عن مصالحها الشخصية الضيقة والمقيتة، وغلبت المصلحة الوطنية العليا للبلد عليها، مما جعلها تملك وتمتلك تلك الرؤية التغييرية الشاملة.
إذ أن هناك فرقا كبيرا بين الرؤية التغييرية المجزئة والآنية للأوضاع في أي بلد من البلدان المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة، القائمة على أساس التأقلم والتلاؤم مع الأوضاع الراهنة، ومحاولة التخفيف من وطأتها وجبروتها وعنفوانها، بحيث تمثل تلك الرؤية التغييرية أساليب دفاعية آنية ظاهرية، تتفاعل مع المشكلة كنتائج تحاول التخفيف من أثرها، لا كأسباب تغوص في عمقها ومن ثم وضع الحلول المناسبة لها.
وبين الرؤية التغييرية الشاملة، بعيدة المدى, مرحلية التنفيذ، واقعية وموضوعية لتلك الأوضاع القائمة على أساس علمي منهجي في دراسة أسبابها، ومن ثم وضع الحلول المناسبة لها بمختلف جوانبها الحياتية، بحيث تتلاءم مع الحاجات الضرورية والحيوية للإنسان، وتحقيق الذات الإنسانية له، والأهداف والغايات السامية التي تلبي آمال وتطلعات ذلك الإنسان، في العيش بحياة حرة كريمة أمنة ومستقرة، يكون الإنسان أولا وأخيرا هو جوهرها وأهدافها وغاياتها.
الأولى: تؤدي إلى أن تلك الأوضاع في تلك البلدان، تظل كما هي فيه وعليه، مهما حدث من تلميع وتحسين لصورتها، بل قد تزداد سوءاً، فهي صورية لا تمسّ جوهر المشكلة الأوضاعية القائمة.
الثانية :تؤدي إلى أن تلك الأوضاع، وتتغير تغيّرا وتغييرا جذريا في فترات زمنية متتالية ومتتابعة، مهما كان طول الفترة الزمنية التي تتم فيها تلك التغيرات والتغييرات، فهي تتعامل مع تلك الأوضاع في جوهرها وعمقها، مما يجعلها تؤدي أخيرا إلى إحلال وخلق أوضاعا جديدة، بديلة لتلك الأوضاع السابقة. كل ذلك وأكثر، يتجلّى واضحا حتى الآن، من خلال تلك النتائج التي حصل عليها ذلك الحراك.
وبعيدا من تلك الأحلام العظيمة، وبعيدا من ذلك التشاؤم واليأس والقنوط والإحباط، وبعيدا من الشك والريبة، وبعيدا من تلك الأفة الخطيرة التي تعاني منها العقلية العربية عموما، والنخبوية على وجه الخصوص، وهي آفة وظاهرة “التآمرية”، التي تعتبر من ضمن الأفات والإشكاليات العديدة والخطيرة التي تعاني منها تلك العقلية…,وعيا قبل سلوكا, في نظرتها إلى بعضها البعض وإلى الأخر، ومن ثم تعاملها مع بعضها البعض ومع الأخر، وفقا لها وعلى أساسها وفي إطارها.
بعيدا من كل ذلك، وأكثر، إذا نظرنا إلى نتائج ذلك الحراك بواقعية وبنظرة موضوعية، لوجدنا بأن تلك النتائج حتى الآن مرضية ومتناغمة ومتناسقة ومتتابعة ومتتالية، وأنه يجب علينا دراستها والإستفادة منها، وقبل ذلك، الوقوف معها ومساندتها وتشجيعها، فهي في أمسّ الحاجة إلى ذلك، بخاصة لما هي عليه الآن.



